في غزة، لا تبدأ الحكاية من الأرقام، بل من البيوت التي أُطفئت فيها فكرة الغد. مع استمرار الحرب، تحوّلت البطالة إلى العنوان الأبرز للحياة اليومية، متجاوزة كونها أزمة عمل لتصبح أزمة بقاء. أكثر من نصف القوى العاملة باتت بلا مصدر دخل، في حين تقف الأسواق شبه خاوية، وتتحول المساعدات إلى شريان الحياة الوحيد لمئات آلاف الأسر.
في حي الدرج، أحد أحياء غزة القديمة، يجلس محمود عطا الله (42 عامًا)، عامل بناء، بلا عمل منذ شهور طويلة. كان دخله اليومي، قبل الحرب، يؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار لأسرته، أما اليوم فيقول إن البطالة لم تسلبه الأجر فقط، بل سلبت إحساسه بالأمان.
قصته ليست استثناءً؛ إذ تشير تقديرات محلية إلى أن الغالبية العظمى من العمال في قطاعات البناء والصناعة والخدمات فقدوا أعمالهم كليًا منذ اندلاع الحرب.
في السوق، يبدو الركود أكثر قسوة. أبو أحمد مطر، تاجر مواد غذائية في حي الدرج، يوضح أن المشكلة لم تعد في توفر البضائع، بل في غياب القدرة على الشراء: "الناس لا تملك المال"، يقول، مؤكّدًا أن حجم التداول انخفض إلى مستويات غير مسبوقة، والإقبال على الشراء ضعيف للغاية.
ووفق بيانات غرف تجارية محلية، تراجع النشاط التجاري الداخلي بأكثر من 70%، وأُغلقت مئات المحال، ما عمّق البطالة وأعاد إنتاجها من جديد.
اقرأ أيضًا: اقتصاد غزة النازف: فقر مدقع وبطالة قياسية وانعدام الأمن الغذائي
أما محمد حسان (25 عامًا)، خريج كلية التجارة، فيمثّل جيلاً كاملاً من الشباب الذين دخلوا سوق عمل منهارًا. أنهى دراسته على أمل بدء حياته المهنية، لكنه وجد نفسه عاطلًا عن العمل بلا أفق واضح.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن بطالة الشباب والخريجين ارتفعت إلى مستويات قياسية بعد الحرب، ما ينذر بخسارة طويلة الأمد لرأس المال البشري.
هذه القصص الإنسانية تعكس صورة أشمل لانهيار اقتصادي واسع. يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن البطالة تُعدّ المؤشر الأكثر تأثيرًا في مجمل الأداء الاقتصادي، إذ ينعكس ارتفاعها سلبًا على مختلف المؤشرات، بينما يساهم انخفاضها في تحريك الاقتصاد وتحسين المؤشرات بشكل إيجابي.

المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر
ويضيف أبو قمر لـ "فلسطين أون لاين" أن ارتفاع معدلات البطالة يعني غياب فرص العمل، ما يؤدي بالضرورة إلى انعدام الدخل لدى الأفراد، وبالتالي تراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم اليومية. ويترتب على ذلك ضعف القدرة الشرائية، وركود الأسواق، وتراجع الطلب على السلع والخدمات، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصاد الفرد.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يبيّن أن هذا التراجع يطال الحركة التجارية والميزان التجاري، ويؤدي إلى انخفاض الإيرادات العامة للدولة، في ظل غياب القدرة على تحصيل الضرائب والرسوم، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مجمل المؤشرات الاقتصادية. ويؤكد أن البطالة ليست نتيجة للأزمة الاقتصادية فقط، بل عامل محرك لمجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية، سواء نحو التراجع أو التحسن.
ويشدد أبو قمر على أنه لا بديل عن العودة التدريجية إلى سوق العمل، وخفض معدلات البطالة، وتحريك القطاعات الاقتصادية المختلفة، باعتبار ذلك المدخل الأساسي للوصول إلى مؤشرات اقتصادية أفضل واستعادة الحد الأدنى من التعافي.
وفيما يتعلق بالانهيار الاقتصادي وفقدان التنمية لعقود، يوضح أبو قمر أن التنمية ترتكز على الإنتاجية والاستثمار وتطوير القطاعات الاقتصادية وصولًا إلى تحسن المؤشرات العامة. وعند الحديث عن انهيار اقتصادي شامل، فإن ذلك يعني غياب الإنتاجية بالكامل وانعدام استدامة الاقتصاد، ودخول الناتج المحلي في حالة انكماش حاد.
ويشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي شهد انكماشًا بنسبة 83% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، متوقعًا استمرار الانكماش بنسبة إضافية تبلغ 7.8% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس حجم التدهور الاقتصادي في غزة، ويدلل على تدمير القطاعات الاقتصادية بشكل شبه كامل.
اقرأ أيضًا: اقتصاد البقاء ينبض في خيام النَّازحين
وحول دلالات تراجع التنمية البشرية بنحو 69 عامًا، يوضح أبو قمر أن ذلك يعني تلاشي المؤشرات المرتبطة بالدخل والتعليم والصحة، التي جرى بناؤها وتحقيقها على مدار نحو سبعة عقود. ويشبّه ذلك بعملية بناء منزل استغرقت سنوات طويلة من العمل والادخار، ثم جرى تدميره في لحظة واحدة، بما يعكس ضياع جهود سنوات طويلة في وقت قصير.
ويؤكد أن ما تحقق خلال 69 عامًا من تقدم في الصحة والتعليم ومستوى الدخل تلاشى بفعل الحرب، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي أعاد الواقع الاقتصادي والاجتماعي في غزة عقودًا إلى الوراء.
ويشير أبو قمر إلى أن قياس التنمية يتم من خلال مجموعة من المؤشرات تختلف من مؤسسة إلى أخرى، إلا أن مؤشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) يُعدّ من أبرز المؤشرات المعتمدة عالميًا، إذ يقيس التنمية بالاستناد إلى الدخل الفردي، والدخل القومي، ومستوى التعليم، ومستوى الخدمات الصحية.
ويضيف أن جميع هذه المؤشرات شهدت تراجعًا حادًا في قطاع غزة، في ظل غياب الدخل الفردي، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الدخل القومي، ما يعكس واقعًا تنمويًا شديد السوء.
وفيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية لإعادة بناء البنية التحتية، يؤكد أبو قمر أن فتح المعابر بشكل كامل يشكّل شرطًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، مشددًا على استحالة الحديث عن أي عملية إعادة إعمار في ظل استمرار إغلاق المعابر حتى في حال توفر التمويل.
كما يلفت إلى ضرورة إدخال المعدات الثقيلة بشكل كامل لإزالة الركام بوتيرة مرتفعة، في ظل وجود أكثر من 60 مليون طن من الركام، الأمر الذي يتطلب شاحنات ومعدات ثقيلة تعمل بالشراكة مع شركات دولية وعلى مدار الساعة. ويؤكد أن إعادة إعمار البنية التحتية في قطاع غزة تتطلب تمويلًا يُقدّر بنحو 70 مليار دولار.
وعلى صعيد الاستراتيجيات المعتمدة، يوضح أبو قمر أن الاستجابة تنقسم إلى مسارين: الأول قصير المدى، ويشمل إجراءات التعافي المبكر، ودعم القطاعات الاقتصادية والإنسانية، وتوفير فرص عمل مؤقتة، وإزالة الركام تدريجيًا، وتوزيع المساعدات والمنح بشكل عادل.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالمدى البعيد، ويتمثل في خطة شاملة وطموحة لإعادة بناء قطاع غزة، تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية والإسكان، وإعادة تشغيل وتأهيل المناطق الصناعية، وتحفيز القطاع الزراعي، بما يضع الأساس لاقتصاد أكثر استدامة بعد سنوات من الدمار.

