قائمة الموقع

عائدون يروون لـ"فلسطين أون لاين" تفاصيل ساعات من التحقيق والتهديد تحت السلاح

2026-02-05T08:21:00+02:00
صورة لبوابة معبر رفح من الجانب الفلسطيني الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال
فلسطين أون لاين

تفتيش مهين وتحقيقات قسرية... شهادات صادمة لعائدين عبر معبر رفح

روتانا الرقب: قيّدونا وعصّبوا أعيننا وهددونا بالاعتقال

صباح الرقب: «رشّوا الماء عليّ وأنا مقيّدة»

حقوقي: ما جرى على رفح عقاب جماعي وانتهاك جسيم للقانون الدولي

«كنا مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين».. بهذه الكلمات تختصر روتانا الرقب نهاية رحلة عودة شاقة، رافقت خلالها والدتها المريضة، هدى أبو عابد، التي كانت قد سافرت إلى مصر للعلاج منذ عام، قبل أن تعودا إلى قطاع غزة مع الإعلان عن فتح معبر رفح ضمن أول دفعة من العائدين.

وفي ساعات متأخرة من مساء الاثنين، وقبيل منتصف الليل، دخلت الرقب إلى القطاع ضمن 12 عائدًا فقط سمح الاحتلال بعودتهم، في حين أُعيد 30 مريضًا إلى مصر دون مبرر، بعد منعهم من دخول غزة. وظهرت الرقب في مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهي تصرخ: «ما حدّش يطلع من غزة»، وقد بدت عليها علامات الإرهاق الشديد، بعد ساعات طويلة من التحقيق المذل لدى جيش الاحتلال.

وكانت الرقب قد أحضرت ألعابًا لأطفالها، في محاولة لرسم فرحة سرقتها الحرب من وجوههم، إلا أن جنود الاحتلال منعوا إدخالها، كما حظروا إدخال أي أغراض شخصية أو طعام أو ماء أو مشروبات، مكتفين بالسماح بحقيبة واحدة تحتوي على ملابس فقط.

لقاء طال انتظاره

فجر الاثنين، حملت الرقب ووالدتها، إلى جانب نحو 42 مريضًا، حقائبهم وقلوبهم المليئة بفرحة لقاء طال انتظاره مع العائلة، في وقت باتت فيه العودة إلى غزة حلمًا صعب المنال، في ظل القيود والتعنت الإسرائيلي المستمر في فتح معبر رفح.

مرت الإجراءات داخل الصالة المصرية بسلاسة، حيث وصل العائدون عند السابعة صباحًا، وانتهت المعاملات قرابة العاشرة. إلا أن ما كان ينتظرهم لاحقًا لم يكن متوقعًا. تروي الرقب: «بعد المرور من البوابة المصرية، انتظرنا ساعات طويلة فتح البوابة في الجانب الفلسطيني، ولم تُفتح إلا عند مغرب يوم الاثنين. أدخلوا 12 مريضًا ومرافقًا، كنت من بينهم، ورفضوا إدخال 30 مريضًا آخرين دون أي سبب».

وتضيف لصحيفة "فلسطين أون لاين": «مررنا من البعثة الأوروبية دون مشاكل، لكن المعاناة بدأت عندما جاء أفراد من ميليشيات مسلحة كانوا يتمركزون قرب ممر جيش الاحتلال. أنزلونا من الحافلة، فتشونا وفتشوا الحقائب بالكامل، ثم اقتادونا إلى جيش الاحتلال، حيث بدأ التحقيق الذي استمر ثلاث ساعات».


وتصف الرقب الأسئلة بأنها «استفزازية»، مضيفة بنبرة غاضبة: «نحن مواطنون ولا ذنب لنا. يريدون التنغيص علينا حتى لا يفكر أحد بالعودة، ويدفعون الناس للهجرة. خلال التحقيق عرضوا عليّ إحضار أطفالي وإخراجي من غزة، ثم هددوني بالاعتقال إذا لم أتجاوب معهم، فيما كانت الأسلحة مشهرة في وجوهنا».

وتوضح أن الاحتلال استخدم أساليب متعددة للضغط وانتزاع المعلومات، قائلة: «كانوا يتركوننا للتفكير، ثم ينقلوننا إلى خيام أخرى ويعيدون طرح الأسئلة. كنا مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين، وكان واضحًا أنهم يمارسون أقصى درجات الضغط».

وتتابع: «كنت صريحة وأخبرتهم أنني أم لأطفال ولا أعرف شيئًا عن المقاومة، لكنهم استمروا بالتهديد، وسألوني إن كنت أعرف أحدًا من أقاربي أو محيطي ينتمي للمقاومة أو شارك في أحداث السابع من أكتوبر».

وعانت والدة روتانا، المريضة، من الإجراءات نفسها، من تفتيش وإهانات وحرمان من إدخال الأغراض. وعادتا إلى غزة وكل واحدة منهما تحمل حقيبة ملابس فقط، بعد أن صادر الاحتلال ألعاب الأطفال والهدايا والأغراض الشخصية.

تقول بحسرة: «أحضرت سماعة هاتف لطفلتي فرفضوا إدخالها. أخذوا الألعاب والماء والطعام وكل شيء إلكتروني وحتى العطور والمصابيح. أنصح الجميع بعدم المغادرة، لأن من يخرج قد لا يعود».

ورغم صدمتها بحجم الدمار عند دخولها غزة، ووجود خيمة نزوح بانتظارها في مواصي خان يونس، تؤكد الرقب أن «الوجود بين العائلة يهوّن كل شيء»، وسط أصوات المهنئين بسلامة العودة.

رحلة عذاب

عاشت صباح الرقب (41 عامًا) ظروفًا مشابهة، لكن وضعها الصحي الصعب، إذ تعاني ضعفًا في النظر، جعل التجربة أكثر قسوة. تصف رحلتها بأنها «قطعة من العذاب»، قائلة: «جهزنا أغراضنا عند الثانية فجر الاثنين، وانطلقت الحافلة إلى المعبر في الثالثة، ووصلنا الصالة المصرية عند السادسة صباحًا. خضعنا للتفتيش، ثم انتظرنا حتى مغرب اليوم لفتح الجانب الفلسطيني وختم الجوازات».

السيدة صباح الرقب وعائلتها
 

وتروي لـ"فلسطين أون لاين": «مشينا نحو ربع ساعة، ثم نُقلنا بحافلات إلى منطقة (ميراج)، حيث استلمتنا ميليشيا مسلحة تابعة لعصابة (أبو شباب). أخذوا جوازات سفرنا، وأنزلوني أنا وقريبتي روتانا ووالدتها، بينما كان الجيش ينادي أسماءنا واحدًا تلو الآخر».

ولا يختلف التحقيق الذي خضعت له عن سابقته، وتقول: «كنت أرتدي شالًا بسبب البرد، وعندما أخبرت المحقق بذلك رشّ الماء عليّ لزيادة برودتي، ووجّه لي ألفاظًا نابية، وكنت مقيّدة اليدين ومعصوبة العينين. هددني بالاعتقال، وقال: (حنعتقلك وما حدّش راح يعرف عنك حاجة)».


وتضيف أن من بين الأسئلة التي وُجّهت لها: «ليش راجعة؟ غزة مدمّرة». وتوضح ردها: «قلت له إن روحي في غزة، بين أهلي وأقاربي. سخر مني وقال: (روحك في عُمان)، في إشارة إلى زوجي الذي سافر لاحقًا».

وتؤكد أن الحديث كان محاولة لتمرير أسئلة استخبارية، إذ سألها عن أقارب بعينهم، وعن مصدر دخلها في العريش، قبل أن يسمح لها بالعبور.

غادرت صباح الرقب غزة في 25 فبراير/شباط 2024 مع أبنائها لعلاج إحدى بناتها، وبقي لها ابن في القطاع طوال عام ونصف. ورغم كل ما واجهته، تقول: «الغربة صعبة، صحيح بيوتنا مدمرة ونعيش اليوم في خيمة، لكن فرحة العودة لا توصف».

إذلال جماعي

ويرى رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، د. صلاح عبد العاطي، أن هذه الشهادات تكشف نمطًا ممنهجًا من الإذلال الجماعي والعقاب النفسي، يشمل التقييد لساعات طويلة، والتفتيش المهين، وسلب المتعلقات الشخصية، والتهديد بالقتل أو الاعتقال، وإعادة حافلات كاملة دون مبرر قانوني، إذ سُمح بدخول حافلة واحدة فقط من أصل ست.

وأكد عبد العاطي لـ"فلسطين أون لاين" أن مشاركة عناصر من ميليشيات مسلحة مدعومة من الاحتلال، مثل مجموعة «أبو شباب»، في عمليات التفتيش والتنكيل، تمثل تصعيدًا خطيرًا وتفويضًا غير قانوني لممارسة الانتهاكات بحق المدنيين، في محاولة لردع العالقين ومنع عودتهم إلى القطاع.

رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، د. صلاح عبد العاطي

وبحسب عبد العاطي، ترقى هذه الممارسات إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، المحظورة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتشكل انتهاكًا جسيمًا لكرامة الإنسان الفلسطيني، لا سيما النساء وكبار السن والمرضى، وتكشف الاستخدام المنهجي لمعبر رفح كأداة سياسية وعقابية.

اخبار ذات صلة