تعد الفنون التقليدية في غزة أحد أبرز المظاهر الثقافية التي تعكس تاريخ المدينة وهويتها الشعبية، فهي ليست مجرد مهارات فنية، بل مرآة للهوية الفلسطينية وحامل للذاكرة الجماعية عبر العصور. تشمل هذه الفنون الموسيقى الشعبية، الرقصات التقليدية مثل الدبكة، والحرف اليدوية كالخياطة، التطريز والنسيج، بالإضافة إلى الفخار والأعمال الخشبية. كل منها يحمل رموزًا اجتماعية وثقافية تعكس الحياة اليومية، المعتقدات الدينية، والعلاقات المجتمعية.
يعتبر التطريز الفلسطيني، أو ما يُعرف محليًا بالتطرّز، من أبرز أشكال التعبير الفني الشعبي في غزة. فقد توارثته النساء عبر الأجيال، وحمل كل نمط من التطريز معانٍ ورموزًا تحكي قصصًا عن القرية والطبيعة والحياة الاجتماعية، بل وحتى الأحداث التاريخية. ويظهر التطريز بشكل واضح في الأزياء التقليدية والملابس اليومية، ما يجعل من كل قطعة فنية شهادة على التراث المحلي وقيمة للهوية الفلسطينية.
أما الأغاني الشعبية، فقد لعبت دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية والثقافية لغزة. فالعروض الموسيقية، وخاصة أهازيج الدبكة والأغاني المصاحبة لها، كانت جزءًا أساسيًا من الأفراح والمناسبات الاجتماعية. كما أصبحت اليوم أداة للتعبير عن الصمود والمقاومة، إذ ينقل الفنانون من خلاله آلام المجتمع وآماله، ويبرزون الهوية الثقافية في مواجهة الظروف الصعبة والحصار المستمر.
الحرف اليدوية في غزة، مثل النسيج والفخار والخيزران، تمثل امتدادًا لهذا التراث، إذ استخدمت لتزيين الأثواب التقليدية والأدوات المنزلية، ما يعكس خبرة طويلة في الصنعة المحلية والفن الشعبي.
ومن أبرز الأمثلة نسيج المجدلاوي، الذي يجمع بين الجمال الفني والدور الاجتماعي، ويبرز مدى قدرة المجتمع الغزاوي على المحافظة على تراثه رغم الظروف القاسية.
تعمل المؤسسات المحلية والدولية في غزة على صون هذا التراث، حيث تنظم ورش عمل ومعارض لتعريف الأجيال الجديدة بالفنون التقليدية، بما في ذلك الدبكة، الموسيقى، والفخار، إضافة إلى فعاليات مثل يوم الزي الفلسطيني، التي تتيح للشباب المشاركة في الحفاظ على التراث وإظهاره بشكل حي ومباشر.
على الرغم من الظروف الإنسانية الصعبة والحروب المستمرة، ظل الفن في غزة رمزًا للصمود والهوية الثقافية.
فالفنانون والموسيقيون لا يتخلون عن إبداعهم، ويستمرون في إنتاج أعمال فنية تعكس التراث الشعبي وتعزز الهوية الوطنية، معتمدين على المعارض المحلية والمشاركة الدولية كوسيلة للحفاظ على الثقافة الفلسطينية ونقلها للعالم.
في الختام، يوضح التراث الفني في غزة أن الفنون التقليدية ليست مجرد وسائل ترفيهية، بل أدوات للحفاظ على الهوية الثقافية ونقل التاريخ الاجتماعي عبر الأجيال. فهي جسور بين الماضي والحاضر، بين الفنون والحياة اليومية، وتبرهن على قدرة المجتمع الغزاوي على المقاومة والإبداع في آن واحد، مما يجعل دراسة هذه الفنون ضرورية لفهم تطور الثقافة الشعبية الفلسطينية عبر القرون.