تساءل القيادي في حركة "فتح" والدبلوماسي السابق، عدلي صادق، عن المسؤولية السياسية المباشرة التي تقف خلف تمكين نظمي مهنا من البقاء في موقع النفوذ المطلق على أحد أكثر المرافق حساسية في النظام الإداري الفلسطيني، لما يقارب أربعين عاماً، من دون مساءلة حقيقية، رغم ما انتهى إليه الحكم القضائي الصادر بحقه مؤخراً.
وقال القيادي، في منشور له على فيسبوك، إن الحكم على مهنا "أغفل بشكل لافت أي إشارة إلى مبدأ النقد الذاتي داخل منظومة السلطة"، متسائلاً: "كيف يمكن لفرد واحد أن يحتكر القرار، ويُطلق يده في إدارة المعابر، ويكوّن ثروة فاحشة، من دون غطاء سياسي واضح، ومن دون شراكة صامتة من أصحاب القرار؟".
وأشار إلى أن الحكم تعامل مع القضية بوصفها حالة فردية معزولة، في حين أن الوقائع، وفق تعبيره، تكشف عن "بانوراما واسعة من الفساد المركب واستغلال النفوذ"، تعكس ما وصفه بـ"عفونة بنيوية مستقرة في جوف السلطة".

القيادي والدبلوماسي السابق عدلي صادق
وأضاف القيادي أن استمرار نظمي مهنا في موقعه طوال هذه السنوات لم يكن ليحدث لولا "قرار سياسي واعٍ، رأى في بقائه مصلحة، وتغاضى عن كل المؤشرات التحذيرية"، معتبراً أن المسؤول الأول، ومعه دائرة ضيقة من المقربين، "شركاء بالصمت، إن لم يكن بالفعل، في الاستفادة من هذه العلاقة، وتشجيعها على التمدد حتى بلغت حد الاستحواذ على آثار وطنية وتهريبها وبيعها".
وفي السياق ذاته، رأى أن المحكمة حاولت، من خلال منطوق حكمها، إظهار قدر من الصرامة القانونية، "من دون أن تقترن هذه الصرامة بخطوات واضحة لاسترداد الأموال والممتلكات التي تم الاستحواذ عليها"، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حدود المحاسبة الفعلية.
وتوقف القيادي صادق عند قضية تعيين نجل نظمي مهنا سفيراً، معتبراً أنها "واحدة من أخطر حلقات الملف"، إذ جرى التعيين، بحسب قوله، من دون المرور بالسلك الدبلوماسي أو استكمال الحد الأدنى من سنوات الخدمة المطلوبة، التي تصل عادة إلى اثنتي عشرة سنة.
وأضاف أن هذا التعيين "لا يمكن فهمه إلا بوصفه مكافأة سياسية إضافية، تهدف إلى إرضاء الأب، ورفع أسرته – التي وردت في حيثيات الإدانة – إلى مصاف الثقة والجدارة بتمثيل الشعب الفلسطيني".
وأوضح صادق أن اختزال القضية في شخص نظمي مهنا وحده، وتحويله إلى "حالة انحراف استثنائية"، يتجاهل حقيقة أن نماذج مشابهة "ما تزال حتى اليوم تخوض تجارب ضالة في مواقع مختلفة، مستفيدة من ذات المنطق السلطوي".
وانتقد القيادي ما وصفه بـ"العقلية الوظيفية" التي تحكم بعض مراكز القرار، والتي ترى في كل من يجلب تسهيلات من الاحتلال، هي في الأصل من حقوق السلطة، "شخصاً نافعاً واستثنائياً"، معتبراً أن هذا النهج "يعكس أسلوباً وضيعا في ممارسة سلطة نشأت أصلاً في إطار اتفاق أوسلو التعاقدي".
وختم بالقول إن بقاء نظمي مهنا طليقاً حتى الآن، واستفادته من تسهيلات مكنته من المغادرة، "يثير شكوكاً جدية حول قدرة السلطة، وربما إرادتها، في جلبه وتنفيذ مقتضيات العدالة كاملة"، مضيفاً: "المحاسبة الناقصة لا تبني دولة، ولا تردع فساداً".
وكانت محكمة جرائم الفساد في السلطة الفلسطينية، أصدرت الإثنين الماضي، حكمها في القضية الجزائية المتعلقة بملف الهيئة العامة للمعابر والحدود، وقضت بسجن مديرها العام السابق مهنا مدة 15 عامًا، وبسجن زوجته سبع سنوات، بعد إدانتهما بارتكاب جرائم فساد خطيرة.

