استقال الموظفان في منظمة "هيومن رايتس ووتش" عمر شاكر وميلينا أنصاري، وهما يشكلان كامل فريق المنظمة المعني بـ"فلسطين وإسرائيل"، عقب قرار الإدارة تعليق تقرير يعتبر أن حرمان الاحتلال الإسرائيلي للاجئين الفلسطينيين من حق العودة يُشكّل جريمة ضد الإنسانية.
وقال عمر شاكر، الذي ترأس الفريق لما يقارب عقدًا من الزمن، وميلينا أنصاري، الباحثة المساعدة في الفريق، إن قرار قيادة المنظمة سحب التقرير خالف آليات الموافقة المعتادة داخل "هيومن رايتس ووتش"، ويعكس تغليب الخشية من ردود الفعل السياسية على الالتزام بالقانون الدولي.
رئيس فريق المنظمة المعني بـ"فلسطين وإسرائيل"، عمر شاكر
وكتب شاكر في رسالة استقالته: "فقدت ثقتي بنزاهة طريقة إنجاز عملنا وبالتزامنا بالتقارير المبدئية القائمة على الوقائع وتطبيق القانون. وبناءً على ذلك، لم أعد قادرًا على تمثيل أو العمل لدى هيومن رايتس ووتش".
وأثارت الاستقالتان اضطرابًا داخل واحدة من أبرز منظمات حقوق الإنسان في العالم، تزامنًا مع بدء المدير التنفيذي الجديد للمنظمة، فيليب بولوبون، مهامه.
وكان عمر شاكر وميلينا أنصاري أنهيا مسودة تقريرهما في آب/أغسطس 2025، وقالا إنها خضعت آنذاك لعملية التحرير المعتادة داخل المنظمة، وراجعتها في النهاية ثمانية أقسام مختلفة.
وبحسب مجلة "التيارات اليهودية" فإن رئيس قسم المناصرة في المنظمة برونو ستاغنو أوغارتي قال، في رسالةٍ بتاريخ 21 تشرين الأول/أكتوبر،إنه "قلقٌ من النطاق الواسع للتقرير، الذي يشمل جميع الفلسطينيين في الشتات"، واقترح أن تقريرًا عن حالات التهجير القسري الأخيرة من غزة والضفة الغربية قد "يكون أكثر صدى". وأضاف أنه يخشى أن "يُساء فهم النتائج من قِبل كثيرين بأنها دعوة إلى إنهاء الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية ديمغرافيًا".
I've resigned from @hrw after 10+ yrs—most as Israel/Palestine Director—after HRW's new ED pulled a finalized report on the right of return for Palestinian refugees on eve of its release & blocked for weeks its publication in a principled way. Full story: https://t.co/npbjjwBqf5
— Omar Shakir (@OmarSShakir) February 3, 2026
فيما قال المدير المؤقت لبرامج المنظمة، آنذاك، توم بورتيوس إن "التقرير متين الحجج، لكن السؤال هو كيف سنستخدم هذه الحجة في مناصرتنا من دون أن يبدو الأمر وكأن هيومن رايتس ووتش ترفض "دولة إسرائيل"، ومن دون أن يقوض ذلك مصداقيتنا كمراقب محايد وغير متحيز للأحداث".
ومع ذلك، جاء قرار سحب التقرير النهائي مفاجئًا لشاكر وغيرِه من الموظفين، خصوصًا أن بولوبـيون -الذي شغل مناصب متعددة في المنظمة- كان مساهمًا رئيسيًا في تقرير المنظمة المفصلي لعام 2021 الذي اتهم "إسرائيل" بارتكاب جريمة الفصل العنصري.
وأكد شاكر مسؤولية المنظمة تجاه ضحايا التهجير الفلسطينيين، قائلًا: "مشاهدة الألم لدى الفلسطينيين الذين قابلتهم، والذين يُحكم عليهم فعليًا بوضع لاجئ مدى الحياة، من أصعب ما رأيت. إنهم يستحقون أن يعرفوا لماذا لا تُروى قصصهم".
ومن جانبها، قالت ميلينا أنصاري إن التقرير ربما سُحب لأنه يربط سياسة حرمان العودة المستمرة منذ عقود بـ"جريمة يمكن ملاحقتها أمام المحكمة الجنائية الدولية"، في سابقة هي الأولى للمنظمة، خصوصًا أنها تأتي في "بيئةٍ يحاول فيها الرئيس ترامب إضعاف دور المحكمة الجنائية الدولية عبر فرض عقوبات"، مشيرة إلى أن ذلك "قد يعرّض هيومن رايتس ووتش لمزيد من الضغوط".
الباحثة المساعدة في فريق المنظمة المعني بـ"فلسطين وإسرائيل"
وحمل التقرير المحجوب عنوان: "أرواحنا في البيوت التي تركناها: حرمان إسرائيل للفلسطينيين من حق العودة وجرائم ضد الإنسانية"، وكان مقررًا أن يكون متابعة لتقرير صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 ركز على النزوح الداخلي للفلسطينيين في غزة. وخلال مقابلات ذلك التقرير، قالت أنصاري إنها سمعت لاجئين يربطون محنتهم الحالية "بصدمة الأجيال الناتجة عن اقتلاعهم وانفصالهم عن أوطانهم عامي 1948 و1967".
وبناءً على تلك الشهادات، لم يكتفِ التقرير المحجوب بتوثيق تجارب الفلسطينيين الذين هُجّروا مؤخرًا من غزة والضفة الغربية، بل شمل أيضًا لاجئين فلسطينيين في لبنان والأردن وسوريا، هُجّروا أصلًا عامي 1948 و1967، ويعانون فقرًا مزمنًا وسكنًا متدني المستوى وعوائق شديدة أمام تملك الأراضي والعمل.
وردًا على حجب التقرير، وقّع أكثر من 200 موظف رسالة احتجاج أُرسلت إلى إدارة المنظمة في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2025، أكدوا فيها أن "عملية التدقيق الصارمة" هي "حجر الزاوية في مصداقيتنا".
وحذرت الرسالة الاحتجاجية من أن تأجيل التقرير قد "يخلق انطباعًا بأن عملية المراجعة في هيومن رايتس ووتش مفتوحة لتدخلات غير مبررة يمكن أن تعكس قرارات اتُّخذت عبر المسار المؤسسي، وتقوض الثقة في غايتها ونزاهتها، وتُرسي سابقة لحجب أعمال من دون شفافية، وتثير مخاوف من إمكانية قمع أعمال أخرى".
وبحسب شاكر وأنصاري، فإن أعضاء من الدائرة القانونية في المنظمة، أكدوا خلال اجتماعٍ في الثالث من كانون الأول/ديسمبر ضد موقف إدارة المنظمة القائل بضعف الاستنتاج القانوني للتقرير، مؤكدين صحة التحليل. وأشار الأعضاء القانونيون إلى أن المنظمة سبق أن استندت إلى هذا التفسير في تقرير سابق عن جزر تشاغوس.
وبعد الاجتماع، عرض شاكر تعديل القسم القانوني، بما في ذلك إضافة أدلة إضافية حول الآثار النفسية لحرمان العودة على اللاجئين الفلسطينيين، وهو عامل أساسي لتوصيف الانتهاك كجريمة ضد الإنسانية. كما عرض توضيح أن توصيف الجرائم ضد الإنسانية ينطبق حصرًا على المجتمعات التي ركز عليها البحث.
لكن، بحسب شاكر، فقد رفضت إدارة المنظمة هذا الطرح في 14 كانون الثاني/يناير، بزعم أنه لا يعالج المخاوف القائمة. وقالت أنصاري: "هذه إشارات إنذار واضحة تُظهر أن أي تبرير لتعليق التقرير لا يستند إلى القانون أو الوقائع".
وبيّن شاكر أن إدارة المنظمة قررت أنها لن تمضي قدمًا في التقرير إلا إذا اقتصر على من هُجّروا من الضفة الغربية وغزة منذ عام 2023. وتكرر هذا الموقف في اجتماع مع الموظفين في 22 كانون الثاني/يناير، حيث قال بولوبـيون إن "البراغماتية تقتضي تضييق نطاق النتائج".
وفي تشرين الثاني/نوفمبر، بدأ مسؤولون كبار بطرح فكرة تأجيل النشر، معتبرين أن الخلاصة القانونية للتقرير ضعيفة وغير مستقرة قانونيًا، وتحتاج إلى أدلة إضافية.
وقال شاكر إنه لوّح بالاستقالة في حال التأجيل، واقترح في الوقت نفسه توضيح أن توصيف الجريمة ينطبق فقط على الفئات التي تناولها البحث بشكل مباشر، وهي الأكثر تضررًا من إنكار حق العودة في الأراضي المحتلة وسوريا ولبنان، وكذلك بعض الفلسطينيين في الأردن، إلا أن هذه المقترحات رُفضت.
وردًا على التشكيك في قوة البحث، قال شاكر إن التقرير وبيانه الصحفي ووثيقة الأسئلة والأجوبة "خضعت جميعها لمراجعة كاملة وأُعدّت للنشر"، مؤكدًا أن أي مخاوف جوهرية بشأن البحث كانت ستمنع الوصول إلى تلك المرحلة، خاصة في ظل التدقيق المشدد الذي تخضع له تقارير إسرائيل وفلسطين داخل المنظمة.
ومن المرجح أن يكون لحجب التقرير تبعاتٌ تتجاوز "هيومن رايتس ووتش". إذ قال أبي عبودي، عضو اللجنة التوجيهية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني ستعيد النظر في علاقاتها مع "هيومن رايتس ووتش".
وأشار إلى أنه عقب تقرير المنظمة لعام 2024 الذي اتهم فصائل فلسطينية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال عملية السابع من أكتوبر، دعت عدة مجموعات فلسطينية -من بينها اللجنة الوطنية للمقاطعة- إلى التفكير في مقاطعة المنظمة.
وأكد: "في ذلك الوقت، لم تشارك منظمات المجتمع المدني الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان لأننا كنا نعتقد أن هيومن رايتس ووتش تتمتع بالنزاهة. أما الآن، فقد أصبحت هيومن رايتس ووتش وتقاريرها محل تساؤل إذا كانت الاعتبارات السياسية تدخل في إصدار أي تقارير جديدة".
ويُذكر أن شاكر رُحّل من "إسرائيل" عام 2019 بسبب نشاطه الحقوقي المتعلق بالفلسطينيين. واختتم بالقول إن الفلسطينيين الذين قابلهم "يستحقون معرفة سبب عدم رواية قصصهم"، معتبرًا أن مشاهدة معاناتهم وهم محكومون بوضع اللجوء مدى الحياة كانت من أصعب التجارب التي مرّ بها.