فلسطين أون لاين

الاحتلال يتعمّد إخفاء هويات أصحابها

بالصور جثامين مجهولة تُفحَص بطرق بدائية.. لماذا تُحرَم غزة من مختبرات فحص الحمض النووي (DNA)؟

...
أهالي يحاولون التعرف على جثامين أبنائهم الشهداء في غزة (تصوير: فلسطين أون لاين)
غزة/ أدهم الشريف

في أجواء البرد القارس، ووسط حالة من الذهول واليأس، اجتمع عدد من أهالي مفقودي حرب الإبادة الجماعية في قاعة واسعة غرب مدينة غزة، في محاولةٍ يائسة للتعرّف، من بين عشرات الصور، على أي دليل قد يكشف عن مصير أبنائهم.

لكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، ولا سيما مع افتقار مستشفيات غزة، وما تبقى من مختبراتها، إلى أجهزة قادرة على تحديد هويات الجثامين مجهولة النسب.

وتتفاقم أزمة الشهداء مجهولي الهوية والمفقودين في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب التي بدأها الاحتلال الإسرائيلي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، قبل أن تتوقف جزئيًا مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأفرجت سلطات الاحتلال، الجمعة الماضية، عن 15 جثمانًا لشهداء كانت تحتجزهم، في حين عرضت لجنة إدارة الجثامين مجهولة الهوية والمفقودين صورهم خلال فعالية أُقيمت أمس في مجمع الشفاء الطبي.

لجنة تتابع كارثة

تشكّلت لجنة إدارة الجثامين مجهولة الهوية والمفقودين خلال الحرب، لمتابعة واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية التي رافقت تصعيد انتهاكات جيش الاحتلال في قطاع غزة. وتضم اللجنة ممثلين عن وزارات: الصحة، والداخلية، والأوقاف، والعدل، إضافة إلى مكتب النائب العام.

ويمثل وزارة الصحة في اللجنة كلٌّ من إدارة المستشفيات، ووحدة نظم المعلومات، والمكتب الإعلامي، فيما تمثل وزارة الداخلية أجهزة الدفاع المدني، والأدلة الجنائية، والمباحث الطبية التابعة لجهاز الشرطة. كما تشارك دائرة الطب الشرعي عن وزارة العدل، ودائرة المقابر عن وزارة الأوقاف، إلى جانب وكيل نيابة ممثل عن مكتب النائب العام.

5771816600330767488.jpg

وأفرج الاحتلال عن الجثامين الخمسة عشر بعد العثور، يوم الخميس 26 يناير/كانون الثاني 2026، على جثة الأسير الإسرائيلي الأخير المحتجز في غزة، ران غويلي. ومن المقرر أن يُفرج الاحتلال، خلال الأسبوع الجاري، عن أكثر من 60 جثمانًا لشهداء أخفى هوياتهم، إضافة إلى قرابة 90 صندوقًا تحتوي على أعضاء بشرية تعود لشهداء فلسطينيين.

وبينما تمكّن جيش الاحتلال من التعرف على جثة غويلي فور انتشالها من مقبرة البطش في حي التفاح شرقي مدينة غزة، بفضل توفر الإمكانيات التقنية اللازمة لتحديد الهوية، عجزت الجهات المختصة في غزة عن تحديد هويات مئات الشهداء المجهولين، لافتقارها إلى تلك الأدوات.

وأكد عمر أبو سليمان، من الأدلة الجنائية، أن الجثامين الخمسة عشر التي تسلمتها الجهات المختصة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كانت في حالة متقدمة جدًا من التحلل.

5771816600330767487.jpg

وأوضح أبو سليمان لـ"فلسطين أون لاين" أن اللجنة لا تمتلك أي قدرات فنية تمكّنها من تحديد هوية أصحاب الجثامين، ما اضطرها إلى عرض الصور على المواطنين الذين لديهم مفقودون، في محاولة للتعرف عليهم، بخلاف ما يمتلكه الاحتلال من مختبرات متقدمة تجعل تحديد هوية المجهولين أمرًا سهلًا.

واعتبر أن هذه الطريقة تزيد من آلام ومعاناة ذوي المفقودين، دون أن تقدم لهم حلًا حقيقيًا.

وبيّن أن الجهات المختصة تسلمت من الاحتلال، عبر الصليب الأحمر، منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، 360 جثمانًا موزعة على 15 دفعة، جرى التعرف على هويات 101 منها فقط.

تحديات راكمها الاحتلال

يوضح سامح حمد، مسؤول ملف الجثامين المجهولة والمفقودين في محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، أن لجنة إدارة جثامين الشهداء والمفقودين تواجه صعوبات كبيرة في التعرف على هويات مجهولي الهوية، بسبب عدم توفر مختبر جنائي مجهز بأجهزة فحص الحمض النووي (DNA).

Capture.JPG123-1714067305.webp

مسؤول ملف الجثامين المجهولة والمفقودين في خان يونس، سامح حمد

وأضاف حمد لـ"فلسطين أون لاين": «هذا الواقع أجبرنا على اللجوء إلى طرق بدائية لتحديد الهوية، ويُعدّ الأهالي الطرف الأهم في هذه العملية، إذ تمكن بعضهم، وبصعوبة بالغة، من التعرف على عدد محدود من الجثامين، بمساعدة الأدلة الجنائية والطب الشرعي، من خلال المقارنات والفوارق الجسدية».

وأشار إلى أن غياب المختبرات المتخصصة ليس السبب الوحيد، بل إن الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة بحق معتقلي غزة أسهمت أيضًا في إخفاء معالم الجثامين بالكامل.

وتابع: «جميع الجثامين التي وصلت إلينا كانت في مراحل متقدمة من التحلل، وتظهر عليها آثار تعذيب واضحة».

وأوضح أن الجثامين التي تسلمتها اللجنة عبر الصليب الأحمر عكست حجم القسوة والوحشية التي تعرض لها معتقلو غزة، إذ كانت مكبّلة المعصمين والقدمين، ومعصوبة الأعين، في حين تؤكد الدلائل أن أصحابها اعتُقلوا أحياء، وتعرضوا لتعذيب شديد قبل إعدامهم ميدانيًا.

لا يمكن تحديد النسب

تُثير انتهاكات الاحتلال بحق المعتقلين، وما رافقها من جرائم وثقتها مؤسسات حقوقية محلية ودولية، وأسفرت عن استشهادهم داخل مراكز التحقيق والتعذيب، تساؤلات واسعة حول أسباب حرمان قطاع غزة من مختبرات فحص الحمض النووي.

ويوضح حمد أنه مع قدوم السلطة الفلسطينية إلى القطاع منتصف تسعينيات القرن الماضي، جرى تجهيز مختبر للأدلة الجنائية في مدينة عرفات للشرطة، جنوبي مدينة غزة، كان يضم أجهزة متقدمة لفحص الحمض النووي وتحديد النسب، كما هو معمول به في دول العالم.

لكن جيش الاحتلال قصف المختبر عام 2005، ودمّر ما يحتويه من أجهزة تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، ومنذ ذلك الحين لم يسمح بإدخال بدائل لها إلى القطاع.

وقال: "غزة لها الحق الكامل في امتلاك أجهزة تحديد النسب، ووجودها لا يشكل أي تهديد أمني للاحتلال، لكن سياساته الأمنية تقوم على حرمان القطاع من هذه الإمكانيات".

علامات ومفارقات

ومع غياب المختبرات المتخصصة، يوضح حمد أن لجنة المجهولين والمفقودين تعمل وفق بروتوكول يبدأ فور تسلّم الجثمان من الصليب الأحمر، حيث يُحال إلى الطب الشرعي والأدلة الجنائية لتوثيقه وتصويره ومعاينته بدقة.

ويعتمد العاملون على العلامات الفارقة، مثل الأسنان والفك العلوي والسفلي، والعمليات الجراحية السابقة، أو البتر في الأطراف أو الأصابع، إلى جانب علامات مميزة أخرى.

كما تعتمد اللجنة على المقتنيات الشخصية المرافقة للجثامين، كقطع الملابس، والأحذية، والخواتم، أو الأسنان المصنوعة من الذهب أو الفضة، أو تقويم الأسنان.

بعد ذلك، تُفلتر الصور وتُنشر بالتعاون مع وزارة الصحة، في محاولة لزيادة فرص التعرف على أصحابها. وقد خُصصت قاعتان لعرض الصور، إحداهما في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، والأخرى في مجمع الشفاء غرب مدينة غزة.

وفي حال التعرف على أحد الجثامين، تبدأ مباشرة إجراءات المطابقة والمعاينة الظاهرية، أما الجثامين التي لا يتعرف عليها أحد، فتبقى في الثلاجات قرابة أسبوع، قبل نقلها إلى مقبرة الشهداء في مدينة دير البلح، وسط القطاع، لدفنها بالتنسيق مع وزارة الأوقاف.

الدافن والمدفون مجهولان

في ملف ذي صلة، ما تزال عائلات كثيرة في غزة تجهل مصير أبنائها الذين فقدتهم خلال الحرب، فلا تعلم إن كانوا قد استشهدوا أم اعتُقلوا، في وقتٍ انتشرت خلال الحرب مقابر عشوائية في مختلف محافظات القطاع، ضمّت جثامين شهداء مجهولي الهوية.

ويشكّل هذا الملف تحديًا بالغ الخطورة، إذ دُفنت جثامين على عجل، بعضها على أطراف الطرقات، على أيدي متطوعين، في ظروف أمنية شديدة الخطورة بفعل القصف والتوغلات البرية.

5771816600330767494.jpg

وكانت النتيجة أن المدفون مجهول، كما أن من دفنه قد يكون قد استشهد بدوره، ما يجعل عملية التعرف على أصحاب القبور شبه مستحيلة.

وفي سياق متصل، أوضح حمد أن الفرق المختصة نجحت في انتشال مئات الشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمرة، استجابة لنداءات استغاثة موثقة لدى الإسعاف والطوارئ والدفاع المدني، وفي مثل هذه الحالات تكون هويات الشهداء معروفة لدى الجهات الرسمية.

المصدر / فلسطين أون لاين