بعد حرب إبادة على مدار عامين متواصلين، أتت على كل مناحي الحياة في قطاع غزة المحاصر، تستكمل سلطات الاحتلال حلقات الإبادة بحق الفلسطينيين في القطاع عبر قرارات جائرة بحق المؤسسات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، ولا سيّما منظمة "أطباء بلا حدود" التي سيُوقف عملها نهاية الشهر الجاري.
وكانت سلطات الاحتلال قد أعلنت أنها ستوقف العمليات الإنسانية لمنظمة "أطباء بلا حدود" الدولية في قطاع غزة، بحلول 28 فبراير الجاري، بذريعة امتناع المنظمة عن تقديم قوائم ببيانات موظفيها العاملين في فلسطين.
ويأتي القرار المُعلن بحق "أطباء بلا حدود" في وقت تشدد فيه "إسرائيل" الشروط المفروضة على المنظمات الإنسانية لمواصلة عملها في الأراضي الفلسطينية، أذ إنها كانت قد حّذرت في يناير الماضي من أنها سوف تحظر أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية في قطاع غزة إذا لم تزودها بقوائم أسماء موظفيها الفلسطينيين.
وكانت مديرة المكتب الإعلامي الإقليمي للمنظمة جنان سعد، أعلنت في تصريحات صحفية عدم مشاركة أي معلومات بشأن موظفيها، بعدما رفضت حكومة الاحتلال تقديم ضمانات تتعلق بسلامة الموظفين وحصر استخدام هذه المعلومات في الجوانب الإدارية المتعلقة بتجديد ترخيص عمل المنظمة في قطاع غزة.
فيما حذّر الأمين العام للمنظمة كريستوفر لوكيير، من تداعيات كارثية لقرار "إسرائيل" القاضي بوقف نشاطات المنظمة في القطاع، قائلاً "نحن في مرحلة يحتاج خلالها الشعب الفلسطيني إلى مزيد من المساعدات الإنسانية وليس أقلّ".
وقال لوكيير في مقابلة صحفية، قدّمنا أكثر من 800 ألف استشارة (طبية) وعالجنا أكثر من 100 ألف إصابة، ووفّرنا أكثر من 700 مليون ليتر من المياه" في القطاع الفلسطيني.
إلى ذلك يقول عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محسن أبو رمضان، إن "أطباء بلا حدود" كان لها دوراً كبيراً خلال العدوان في مساندة القطاع الصحي غير الرسمي بعد إخراج المنظومة الصحية عن الخدمة.
عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محسن أبو رمضان
وأوضح أبو رمضان في حديثه مع "فلسطين أون لاين"، أن الشروط الإسرائيلية التي رفضت "أطباء بلا حدود" الامتثال لها تعني إعطاء مجال أوسع للاحتلال لاستهداف الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها.
واعتبر سياسة الاحتلال "مسألة خطرة" لا تضمن مبدأ الاستقلالية والحماية والحيادية التي تعتبر مرتكزات أساسية في العمل الإنساني وتتناقض مع القانون الدولي الذي يسمح للمنظمات الإنسانية العمل بانسيابية ودون قيود.
وأضاف "المنظمة رفضت مشاركة أسماء العاملين فيها، خشية تعريضهم للخطر، خاصة أن الاحتلا مدان بجرائم حرب وابادة ضد الإنسانية"، مؤكداً أن إغلاق المنظمة سيكون له انعكاسات سلبية على القطاع الصحي في غزة.
وأكد أبو رمضان، أن هناك خطورة كبيرة على مستقبل عمل المنظمات الإنسانية في قطاع غزة خصوصاً في المرحلة الراهنة، متوقعاً أن تشمل قرارات الاغلاق منظمات أخرى في حال عدم استجابتها للشروط الإسرائيلية.
وبيّن أن هناك قواسم مشتركة بين قرارات الاحتلال وقرارات الإدارة الامريكية التي انسحبت من حوالي 66 منظمة دولية من بينها 30 منظمة تابعة للأمم المتحدة، "بالتالي هناك محاولة لتقويض العمل الدولي والأممي لصالح بنية عسكرية أمنية إسرائيلية وامريكية تتنافى مع القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان ومنظومة العمل الإنساني"، وفق تعبيره.
ولم يستبعد أن تكون هناك محاولات لتأسيس منظمات أخرى بديلة عن المنظمات الإنسانية والحقوقية. وختم حديثه " المرحلة خطرة جداً وهناك استشراس من الاحتلال والإدارة الامريكية على المنظومة الدولية وجزء منها المنظمات الإنسانية مثل أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات ومحاولة فرض منظومة مبنية على القوة والاستعمار والاستغلال والتحكم".
تجويع الفلسطينيين
إلى ذلك، وصف أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي محمد مهران، قرار إغلاق "أطباء بلا حدود" بأنه جريمة حرب صريحة تهدف لتجويع الشعب الفلسطيني وحرمانه من الرعاية الطبية الأساسية في انتهاك فاضح للقانون الدولي الإنساني.
أستاذ القانون الدولي العام، محمد مهران
وأكد مهران لـ "فلسطين أون لاين"، أن توقيت إغلاق المنظمة ليس عشوائياً بل مدروساً بعناية، مشيراً إلى أن استهداف أطباء بلا حدود بالذات يأتي لأنها من أكثر المنظمات فعالية ومصداقية في توثيق انتهاكات الاحتلال وتقديم الرعاية الطبية للجرحى والمرضى.
وبيّن أن قرار الاغلاق يتزامن مع استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار ومحاولة فرض سيطرة كاملة على غزة، محذراً من أن طرد المنظمات الإنسانية يهدف لإخلاء الساحة من الشهود الدوليين الذين يوثقون الجرائم الإسرائيلية.
وشدد مهران على أن اتفاقيات جنيف الرابعة تلزم دولة الاحتلال بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية وليس إعاقتها أو طردها، موضحاً أن المادة 59 من الاتفاقية تنص على وجوب السماح بحرية مرور جميع إرساليات الإغاثة الطبية والغذائية، مؤكداً أن منع عمل أطباء بلا حدود يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.
وبشأن أهداف الاحتلال من القرار، رأى مهران أن "إسرائيل" تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الأول هو تعميق الكارثة الإنسانية لإجبار الفلسطينيين على الهجرة القسرية من غزة تنفيذاً لمخطط التهجير، والثاني هو إسكات الشهود الدوليين الذين يوثقون الجرائم الإسرائيلية ويقدمون تقارير لمحكمة الجنايات الدولية، والثالث هو السيطرة الكاملة على المساعدات الإنسانية لاستخدامها كأداة سيطرة وابتزاز سياسي.
وأكد أن طرد المنظمات الدولية من غزة يسهل على الاحتلال ارتكاب المزيد من الجرائم دون رقابة دولية، داعياً "أطباء بلا حدود" إلى تقديم شكوى عاجلة للجنائية الدولية ضد "إسرائيل".