في صباح اليوم الذي أُعلن فيه عن إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود، أُغلق باب الحياة نهائيا أمام الطفل أنور العشي (7 سنوات) من مدينة غزة. لم ينتظر أنور قرارا رسميا، ولا اسما على قائمة سفر، بل رحل بصمت، قبل أن يسمع أن اسمه ربما كان سيأتي يوما.
قبل نحو شهر، أُصيب أنور بمرض حموضة الدم، وهو مرض خطير تطورت مضاعفاته بسرعة في ظل نقص العلاج وانهيار النظام الصحي في غزة. لم يكن المرض وحده هو القاتل، بل ما تبعه من فشل كلوي حاد، حرم جسده الصغير من القدرة على الصمود أكثر. كان بحاجة عاجلة إلى علاج تخصصي خارج القطاع، علاج لم يكن متوفرا، ولا طريق إليه إلا عبر معبر رفح المغلق.
طالع أيضًا: فتح شكليّ لمعبر رفح... مرضى وجرحى غزَّة في مواجهة الموت
يقول والده نايف العشي لصحيفة "فلسطين": "كنت أنتظر فتح معبر رفح على أحر من الجمر. كنت أقول لنفسي كل يوم إن الفتح قريب، وإن ابني سيسافر ويتعالج ويعود. لكن أنور لم يستطع الانتظار أكثر".
يضيف وهو ينظر إلى الفراغ: "مرض حموضة الدم دمر كليتيه. الأطباء قالوا إن العلاج موجود خارج غزة، لكن هنا لا نملك شيئا. كنا نعيش على أمل السفر فقط".
صباح اليوم، بينما كانت العائلة تتابع الأخبار عن فتح المعبر والسماح لعدد محدود جدا من المرضى بالسفر، توقف قلب أنور. لم يمهله الإعلان، ولم تنقذه الوعود. يقول والده: "عندما سمعت أن الفتح سيكون محدودا، وأن أعدادا قليلة جدا ستسافر، شعرت أن الأمل يُسحب مني. عرفت في داخلي أن ابني لن يحصل على حقه في العلاج".
يتابع بحرقة: "فتح المعبر بهذا الشكل قتل الأمل قبل أن يقتل المرض أنور. كيف لطفل مريض أن ينتظر دوره وسط آلاف المرضى؟".
طالع أيضًا: الاحتلال يمنع عودة 30 فلسطينيًا إلى غزة عبر معبر رفح
لم يكن أنور رقما على قائمة، بل طفلا له اسم ووجه وحلم بسيط أن يعيش دون ألم. كانت عائلته تأمل أن يكون ضمن قوائم المرضى المسموح لهم بالسفر، لكن القوائم كانت أطول من عمره، والوقت أقصر من صبره.
وقال مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، محمد أبو سلمية: إن آلية إخراج المرضى عبر معبر رفح شهدت تقليصا حادا، إذ انخفضت القوائم من 50 مريضا إلى 5 حالات فقط في المرحلة الأولى مع مرافقيهم.
وأوضح أن لجانا طبية متخصصة تعمل على ترتيب الأولويات بحسب درجة الخطورة، في ظل وجود نحو 450 مريضا بحالات حرجة جدا على قوائم الانتظار، يفقد بعضهم حياتهم بشكل شبه يومي نتيجة تأخر تحويلهم للعلاج خارج القطاع.
وأشار أبو سلمية إلى أن الاحتلال كان يرفض سابقا ما بين 7 و10 حالات من كل قائمة تضم 50 مريضا دون إبداء أسباب، لافتا إلى أن ما يجري تداوله حاليا لا يتعدى إخراج 5 مرضى فقط مع مرافقين اثنين لكل حالة في اليوم الأول على سبيل التجربة، بدلا من الاتفاق السابق الذي نص على خروج 50 مريضا مع 100 مرافق، محذرا من أن استمرار هذه الوتيرة يعني الحاجة إلى سنوات لإخراج المرضى، مع سقوط مزيد من الضحايا.
رحيل على سرير الانتظار
في ديسمبر الماضي، أُسدل الستار على حياة سماح القريناوي، فتاة في السادسة عشرة من عمرها من مدينة غزة، لم تقتلها قذيفة ولم تُنتشل من تحت الأنقاض، بل رحلت بصمت على سرير الانتظار، وهي تترقب فتح معبر رفح الذي لم يُفتح لها أبدا.
تروي والدتها لـ"فلسطين" أن العائلة اكتشفت إصابة سماح بمرض السرطان في الأشهر الأولى من الحرب، في وقت كانت فيه غزة تغرق في القصف والنزوح وانهيار المنظومة الصحية. تقول الأم بصوت مثقل بالفقد "اكتشفنا المرض مبكرا نسبيا، وكان الأمل موجودا. قال لنا الأطباء إن علاجها متوفر خارج غزة، وإن سفرها قد ينقذ حياتها".
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة الانتظار القاتلة. حاولت سماح السفر مرارا وتكرارا عبر معبر رفح قبل إغلاقه في أيار 2024، ووضعت اسمها على قوائم التحويل، وجهزت أوراقها، وانتظرت دورها الذي لم يأت. تقول والدتها: "في كل مرة كنا نسمع أن الاسم لم يخرج بعد، أو أن القائمة اكتملت. كنا نعود إلى البيت ونقنع سماح أن دورها قريب، لكن الأيام كانت تسرقها منا".
ومع اجتياح مدينة رفح وتدمير المعبر، انهار الأمل تماما. تضيف الأم: "عندما دمر الاحتلال المعبر، شعرت أن باب الحياة أغلق في وجه ابنتي. لم يعد هناك انتظار، فقط عد تنازلي للموت".
تدهورت حالة سماح بسرعة في ظل نقص الأدوية وانعدام العلاجات المتخصصة. لم يكن العلاج الكيماوي المتوفر قادرا على وقف المرض، ولا المستشفيات المنهكة تملك ما تقدمه سوى المسكنات. تقول والدتها وهي تستعيد أيامها الأخيرة: "كانت تسألني كل يوم: ماما، متى سنسافر؟ كنت أكذب عليها لأحميها من الحقيقة. كنت أقول لها قريبا، وهي كانت تبتسم رغم الألم".
في ديسمبر، رحلت سماح. رحلت وهي تحلم بالسفر لا بالسجن خلف المعابر. تؤكد والدتها بحزم ممزوج بالوجع: "إغلاق معبر رفح هو من قتل ابنتي. ليس المرض وحده، بل منع العلاج، ومنع السفر، وترك الأطفال يموتون وهم ينظرون إلى الحدود المغلقة".
الآن ومع إعادة فتح معبر رفح، ترى والدة سماح أن الآلية الحالية التي يجري الحديث عنها لفتح المعبر بشكل محدود ستتسبب بوفاة المزيد والمزيد من المرضى دون أن يحين دورهم "ما يحدث الآن كارثة جديدة. إخراج عدد قليل من المرضى يعني أن البقية سيبقون ينتظرون حتى الموت. هذه الآلية ستصنع سماح أخرى، وأما مفجوعة أخرى".
ورغم أن ابنتها رحلت، تصر والدة سماح على تحويل ألمها إلى صرخة، وتوجه نداءها بوضوح: "أنا لا أطالب من أجل سماح، فقد دفنتها بيدي، أطالب من أجل آلاف المرضى الذين ما زالوا ينتظرون. افتحوا معبر رفح بلا قيود، دعوا المرضى يسافرون جميعا قبل أن يموتوا كما ماتت ابنتي".
حكم بالإعدام البطيء
واعتبر مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، فتح معبر رفح بشكل محدود أمام المرضى "يمثل حكما بالإعدام البطيء عليهم".
وقال الوحيدي لـ"فلسطين": "نحن نتحدث عن أكثر من 20 ألف مريض على قوائم الانتظار للعلاج خارج قطاع غزة، بينهم نحو 4500 طفل، و4000 مريض أورام، و6000 جريح، إضافة إلى 440 حالة حرجة جدا وطارئة تحتاج إلى تحويل فوري، وأي تأخير في سفرهم ينعكس مباشرة بارتفاع أعداد الوفيات".
مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة زاهر الوحيدي
وأضاف: "منذ إغلاق المعبر بتاريخ 7 أيار 2024 وحتى اليوم، فقدنا 1268 مريضا كانوا على قوائم الانتظار ولم يُسمح لهم بالسفر، وهؤلاء لم يموتوا بسبب المرض فقط، بل بسبب منعهم من حقهم في العلاج".
وأشار إلى أن الأوضاع الحالية تمثل تراجعا خطيرا مقارنة بما كان عليه الحال قبل الإغلاق، قائلا: "قبل إغلاق المعبر، كان يسافر يوميا نحو 50 مريضا من أصل 200 إلى 250 مسافرا، أما اليوم فنحن أمام حديث عن أعداد محدودة جدا لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياج، وهو ما يعني أن المرضى سيظلون عالقين لسنوات".
ولفت الوحيدي إلى أن ما جرى خلال الفترة الماضية يعكس حجم الكارثة "على مدار نحو 20 شهرا من العدوان والاجتياح، لم يتم إجلاء سوى 3100 مريض فقط، وهو رقم صادم مقارنة بحجم الاحتياج الحقيقي، ويكشف حجم الاختناق الصحي الذي يعيشه القطاع".
وختم الوحيدي تصريحه بالقول: "إغلاق معبر رفح أو فتحه بوتيرة بطيئة سيؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح بشكل يومي. المرضى لا يملكون ترف الوقت، وكل يوم تأخير يعني جنازة جديدة. فتح المعبر بشكل كامل ومنتظم لم يعد مطلبا إنسانيا فقط، بل ضرورة عاجلة لإنقاذ ما تبقى من الأرواح".