فلسطين أون لاين

من الحق الوطني إلى المعونة المشروطة

تقرير كيف أعادت السلطة تعريف قضية الأسرى؟

...
صورة من الأرشيف
غزة/ عبد الله التركماني:

في البيوت التي تعلّمت الصبر قبل أن تتعلّم العدّ، وفي العائلات التي علّقت أعمارها على سنوات الاعتقال، لم يكن الراتب يومًا رقمًا في كشف مالي، بل اعترافًا رمزياً بتضحية طويلة، وحكاية كُتبت خلف القضبان. لذلك حين قررت السلطة الفلسطينية قطع رواتب الأسرى وتحويلها إلى مساعدات اجتماعية مشروطة لم تُغلق بابًا ماليًا فحسب، بل فتحت جرحًا عميقًا في الوعي الوطني، وأعادت طرح سؤال موجع: كيف يُكافأ من قضوا أعمارهم في الزنازين؟

هذا القرار، الذي جاء باردًا في لغته وقاسيًا في أثره، لا يمس دخل العائلات وحده، بل يطال المعنى نفسه؛ معنى الأسير، معنى التضحية، ومعنى الحق. فبينما تُخضع الكرامة لمعايير البحث الاجتماعي، وتُعاد صياغة النضال بلغة "الاستحقاق" و"الحاجة"، تتآكل واحدة من أكثر القضايا الفلسطينية رسوخًا، وتتحول من رمز وطني جامع إلى ملف إداري قابل للقص والشرط والمراجعة.

وكانت السلطة قد قررت وقف صرف رواتب الأسرى الفلسطينيين وتحويلها إلى نظام "مساعدات اجتماعية مشروطة" يعتمد على البحث الاجتماعي والحاجة، تحت إدارة مؤسسة "تمكين"، الأمر الذي أثار غضبًا شعبيًا واسعًا واحتجاجات من أهالي الأسرى الذين يعتبرونه مساسًا بكرامتهم وتضحياتهم الوطنية، مطالبين بإعادة الحقوق وفق القانون دون شروط.

ويشكّل هذا القرار تحولًا خطيرًا في مقاربة واحدة من أكثر القضايا الوطنية حساسية، إذ ينقل الأسرى من موقعهم كمناضلين لهم حقوق سياسية وقانونية واضحة، إلى فئة اجتماعية تخضع لمعايير الحاجة والبحث الاجتماعي. هذا التحول لا يغيّر فقط آلية الصرف، بل يعيد تعريف الأسرى أنفسهم، من أصحاب حق ثابت إلى مستفيدين مشروطين يمكن سحب أو تقليص مستحقاتهم وفق تقييمات إدارية.

كما يثير القرار مخاوف عميقة من تفريغ قضية الأسرى من بعدها السياسي والنضالي، وتحويلها إلى ملف إنساني قابل للإدارة والتمويل الخارجي. فإخضاع الأسرى لآليات "الاستهداف الاجتماعي" و"التحقق من الحاجة" ينسجم مع مطالب دولية سابقة سعت إلى فصل قضية الأسرى عن سياقها السياسي، وإعادة تقديمها للعالم كقضية رفاه اجتماعي، لا كجزء من الصراع مع الاحتلال.

حق وليس هبة

وقال الأسير المحرر نضال البرعي لصحيفة "فلسطين" إن قرار السلطة وقف صرف رواتب الأسرى والمحررين وتحويلها إلى ما يُسمى "مساعدات اجتماعية مشروطة" يشكّل "انتهاكًا واضحًا لحقوق الأسرى، ويمس بجوهر قضيتهم الوطنية وتضحياتهم الطويلة في سجون الاحتلال".

المحرر البرعي (55 عامًا) من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، نال حريته في 30 يناير 2025 بعد قضائه 29 عامًا في سجون الاحتلال.

وأضاف: "راتبي كأسير محرر ليس منحة ولا هبة من أي جهة، بل هو حق قانوني ووطني مقابل سنوات قضيتها في سجون الاحتلال دفاعًا عن شعبنا وأرضنا. من غير المقبول أن يتحول هذا الحق إلى معونة مشروطة تخضع لمعايير اجتماعية أو بحث ميداني، وكأننا حالات فقر لا أصحاب قضية".

37e5bd4f-45f4-4200-b432-fc3611bb11ad.jpg
الأسير المحرر نضال البرعي

وانتقد البرعي بشدة ربط مستحقات الأسرى بمعايير "الحاجة" والبحث الاجتماعي، معتبرًا أن ذلك "يفرغ قضية الأسرى من بعدها السياسي والنضالي"، ويحوّلهم من مناضلين إلى ملفات اجتماعية.

وتابع: "الأسرى ليسوا حالات إنسانية عابرة، نحن أسرى حرية اعتقلنا لأننا واجهنا الاحتلال. تحويل حقوقنا إلى مساعدات مشروطة هو محاولة لإعادة تعريفنا بطريقة مهينة، تخدم رواية الاحتلال وتتنكر لتاريخ طويل من النضال".

وأوضح البرعي أن القرار لا يستهدف الجانب المادي فقط، بل يضرب "كرامة الأسرى وعائلاتهم"، مضيفًا: "أن يُطلب من الأسير أو عائلته الخضوع لتقييم اجتماعي لإثبات استحقاقه، فهذا إهانة مضاعفة. كرامتنا لا تُقاس بعدد أفراد الأسرة أو حجم الدخل، بل بتضحياتنا خلف القضبان".

جريمة قانونية

من ناحيته، اعتبر صلاح عبد العاطي، مدير الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، أن قرار قطع رواتب الأسرى والأسرى المحررين يمثل "انتهاكًا خطيرًا وغير مسبوق لمنظومة القوانين الفلسطينية، وجريمة قانونية وأخلاقية مكتملة الأركان لا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية أو مالية".

وأضاف عبد العاطي لـ"فلسطين": "نحن أمام إجراء تعسفي غير دستوري، جرى تنفيذه دون أي مسار قانوني، ودون إخطار مسبق، ودون تمكين المتضررين من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، وهو ما يشكّل عقوبة جماعية محرمة بموجب القانون الأساسي الفلسطيني والمواثيق الدولية".

صلاح-عبد-العاطي-1729593579.webp
صلاح عبد العاطي مدير الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"

وأكد أن تحويل رواتب الأسرى إلى ما يسمى "مساعدات اجتماعية مشروطة" تحت إدارة مؤسسة "تمكين" يمثل "تشويهاً متعمداً لقضية وطنية جامعة"، مضيفًا: "الأسرى ليسوا حالات فقر، ورواتبهم ليست معونات اجتماعية، بل حقوق قانونية مكتسبة نص عليها قانون الأسرى والمحررين رقم 19 لسنة 2004، وهي التزام وطني وأخلاقي لا يجوز المساس به".

وأشار عبد العاطي إلى أن القرار يشكّل مخالفة صريحة للمادة (22/2) من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تلزم السلطة الوطنية برعاية الأسرى وذوي الشهداء والجرحى، كما يتعارض مع قوانين الخدمة المدنية وقوى الأمن والتقاعد العام، "التي تمنع قطع راتب أي موظف عمومي دون إجراءات قانونية عادلة وضمانات واضحة".

وحذر من التداعيات الاجتماعية والوطنية الخطيرة للقرار، قائلاً: "هذه الرواتب تمثل مصدر الدخل الوحيد لمئات العائلات، وقطعها يعني دفع أطفال الأسرى نحو الفقر والعوز، ويمثّل انتهاكًا مباشرًا للحق في الحياة الكريمة، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في عدم التمييز".

وأضاف: "الأخطر من ذلك أن هذه السياسة تفتح الباب أمام استخدام الحقوق الوطنية كأدوات للابتزاز السياسي والإداري، وهو ما يشكّل سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًا مدانًا، ويقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين بمبدأ سيادة القانون".

المصدر / فلسطين أون لاين