قائمة الموقع

نزع سلاح المقاومة في غزة... رهان على فرض الواقع السياسي أم فخ جديد للصراع الفلسطيني؟

2026-02-02T08:40:00+02:00
مقاومون من كتائب الشهيد عز الدين القسام يحملون أسلحتهم في غزة
فلسطين أون لاين

يبرز شرط نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بكونه أحد البنود الأكثر حضورا في الطروحات الإسرائيلية المدعومة أميركيا بشأن مستقبل قطاع غزة بعد حرب الإبادة الجماعية، وتتعامل معه حكومة الاحتلال بوصفه عقبة أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من أي مسار سياسي، وتدفع به لتأجيل استحقاقاتها المتعلقة بوقف الحرب، وإعادة الإعمار.

ويقدم هذا الشرط في الخطاب الإسرائيلي باعتباره مسألة أمنية لا يمكن تجاوزها، في حين تشير قراءات عسكرية واستراتيجية إلى أن هذا الطرح يتجاوز البعد الأمني ليشكل مدخلا لفرض وقائع سياسية جديدة على القطاع.

في هذا السياق، يرى الخبير العسكري العراقي علي ناصر، أن الإصرار على نزع سلاح المقاومة لا ينطلق من اعتبارات أمنية بحتة، بل من رؤية سياسية تهدف إلى إضعاف البنية الداخلية للمقاومة وتجريدها من أدوات التأثير، من دون تقديم أي مقابل حقيقي يتعلق بالسيادة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.

 الحقوق تتحول لأدوات ضغط

ويشير ناصر في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، إلى أن الطرح الإسرائيلي–الأميركي يقوم على معادلة واضحة مفادها ربط أي تقدم في الملفات الإنسانية والخدمية، مثل الإعمار ورفع القيود، بشرط نزع السلاح وضمان عدم إعادة بناء القدرات العسكرية للمقاومة مستقبلا. معتبرا أن هذه المعادلة تفرغ أي عملية سياسية من مضمونها، وتحول الحقوق الأساسية إلى أدوات ضغط.

وبحسب الخبير العراقي، فإن أخطر ما في هذا الطرح هو السعي لفرض واقع إداري جديد في غزة، يقوم على إنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية محدودة الصلاحيات، تعمل تحت إشراف دولي مباشر، مع احتفاظ الاحتلال الإسرائيلي بالهيمنة الأمنية من الخارج. ويرى أن هذا النموذج لا يؤسس لكيان سياسي مستقل، بل لإدارة وظيفية منزوعة السيادة.

ويحذر من أن هذا المسار سيحول غزة إلى مساحة خاضعة للرقابة والتحكم، بدلا من أن تكون أرضا ذات قرار وطني مستقل، ما يؤكد أن نزع السلاح ليس إجراء مرحليا، بل جزء من مشروع سياسي متكامل لإعادة تعريف شكل الحكم في القطاع.

قراءة معكوسة

من جانبه، يشدد د. محمد هزيمة الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، على أن التعامل مع سلاح المقاومة كعقبة أمام التسويات هو قراءة معكوسة لطبيعة الصراع. مؤكدا أن المقاومة لم تنشأ كخيار ترفي، بل كنتاج مباشر للاحتلال، وأن محاولة تفكيكها من دون معالجة أسباب وجودها لن تؤدي إلى الاستقرار.

المحلل في الشؤون العسكرية، د. محمد هزيمة
 

ويرى هزيمة في حديثه لـ"فلسطين أون لاين"، أن تجارب نزع السلاح في مناطق الصراع أثبتت أن تجريد المجتمعات من أدوات الدفاع الذاتي غالبا ما شجع القوى المعتدية على ارتكاب مزيد من الانتهاكات، بدلا من دفعها نحو التسوية. مضيفا أن تسليم السلاح في ظل اختلال موازين القوى لا يعني نهاية المطاف، بل قد يكون بداية لمرحلة أكثر دموية.

تجارب دامية

ويستحضر الخبيران نماذج تاريخية تؤكد خطورة نزع السلاح المفروض من الخارج. إذ يشير ناصر إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عام 1982، حين جرى إخراج المقاتلين وتسليم السلاح بضمانات أميركية ودولية، قبل أن تنتهي تلك الضمانات سريعا بمجازر طالت المدنيين الفلسطينيين.

كما يتوقف ناصر عند تجربة البوسنة والهرسك، ولا سيما في سربرنيتسا، حيث جرى تجريد القوات المحلية من سلاحها الثقيل مقابل وعود بالحماية الدولية، ما مهد الطريق لدخول القوات الصربية ووقوع مجازر واسعة. معتبرا أن هذه التجربة تمثل نموذجا صارخا لفشل نزع السلاح قبل الحل السياسي.

وفي السياق ذاته، يستشهد بالعراق وليبيا كنموذجين حديثين، حيث أدى تفكيك القدرات العسكرية وحل الجيوش إلى فراغ أمني وسياسي، ساهم في تفكك الدولة وانتشار الصراعات الداخلية، ولا تزال آثاره قائمة حتى اليوم.

ويذهب هزيمة أبعد من ذلك، معتبرا أن نزع السلاح في مثل هذه البيئات لا يؤدي فقط إلى فراغ أمني، بل يفتح الباب أمام تفكك المجتمع نفسه. مشيرا إلى أن غياب قوة منظمة قادرة على ضبط المشهد يؤدي غالبا إلى صراعات داخلية مدعومة من قوى الاحتلال.

اقرأ أيضًا: نزع سلاح المقاومة.. محور الصراع وإعادة رسم الميدان بين الشروط "الإسرائيلية" وخيارات المقاومة

ويؤكد هزيمة أن غزة ليست استثناء عن هذه القاعدة، بل تمثل حالة أكثر تعقيدا بسبب استمرار الاحتلال والضغط العسكري والاقتصادي. ويرى أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستدخل المجتمع الفلسطيني في حالة من القلق والانقسام، بدلا من تحقيق الاستقرار.

سيناريوهات معقدة

في ما يتعلق بمستقبل المقاومة، يرى ناصر أن نزع السلاح لا يعني بالضرورة إنهاء المقاومة، بل قد يدفعها إلى التحول نحو مسارات أخرى. ويشير إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة هو انتقال المقاومة إلى أشكال شعبية وسياسية أوسع، مدفوعة برفض شعبي لأي تسوية تفرض تحت الضغط.

وفي المقابل، يحذر من سيناريوهات أكثر تعقيدا، مثل تحول المقاومة إلى العمل السري المنظم، أو انفجار الساحة في فوضى داخلية نتيجة غياب قوة مركزية قادرة على ضبط التوازنات، وهو ما قد يخدم الأهداف الإسرائيلية بعيدة المدى.

أما هزيمة فيشدد على أن سلاح المقاومة لا يختزل في البعد العسكري فقط، بل يشمل صمود المجتمع وتمسكه بأرضه. مؤكدا أن التجربة الأخيرة في غزة أظهرت أن الإرادة الشعبية والصمود الاجتماعي كانا عاملين حاسمين في استمرار المواجهة رغم الفارق الكبير في الإمكانات.

ويرى أن المقاومة الفلسطينية نشأت تاريخيا من قلب الدمار والحصار، واستطاعت بإمكانات محدودة إرباك الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق إنجازات، ما يجعل الرهان على القضاء عليها عبر نزع السلاح رهاناً غير واقعي.

نتائج معاكسة

ويعتبر هزيمة أن فرض نزع السلاح بالقوة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، حيث تعيد المقاومة تنظيم نفسها بصيغ جديدة أكثر مرونة وخبرة، تماما كما تعيد الشجرة نموها بعد تقليمها، لا كما يتصور أنها ستقتلع من جذورها.

ويتفق الخبيران على أن الإصرار الإسرائيلي، المدعوم أميركيا، على إدراج نزع السلاح كشرط تفاوضي أساسي، يهدف في جانب كبير منه إلى تعويض الإخفاق في تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة خلال الحرب، عبر فرض مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات.

كما يربطان هذا التوجه بمشروع إقليمي أوسع تسعى فيه حكومة نتنياهو إلى تثبيت تفوقها الاستراتيجي، ليس في غزة وحدها، بل في المنطقة ككل، من خلال إضعاف أي قوى مقاومة قادرة على التأثير في موازين الردع.

في الخلاصة، يرى الخبيران أن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية المفروض بالقوة، وفي ظل غياب حل سياسي عادل يعالج جذور الصراع، لن يؤدي إلى استقرار دائم، بل على العكس، سيعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة، ويبقي المنطقة في دائرة التوتر المفتوح.

ويؤكدان أن أي مسار حقيقي نحو الاستقرار يمر عبر تسوية سياسية تضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة، باعتبار أن معالجة الأسباب هي الطريق الوحيد لمعالجة النتائج، لا العكس.

اخبار ذات صلة