في الوقت الذي تمتلئ مستشفيات قطاع غزة بأجساد الأطفال من الشهداء والجرحى، لا يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن إدارة معركة موازية تتعلق بالأرقام والرواية الزائفة، إذ روّج الاحتلال بيانات زعم فيها تسجيل 60 ألف مولود جديد في قطاع غزة خلال عام 2025، في محاولة لطمس معالم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الفلسطينيون، وعلى رأسهم الأطفال.
لكن رواية الاحتلال مغايرة تماماً للحقيقة التي كشفت عنها الأرقام الرسمية الفلسطينية، إذ تُفيد وزارة الصحة في قطاع غزة بأن العدد الفعلي للمواليد خلال عام 2025 بلغ 50 ألف مولود فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 11% مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب، وفق ما ذكر مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بقطاع غزة زاهر الوحيدي.
ومن الواضح أن الاحتلال يسعى من خلال تزييف الأرقام إظهار أن الحياة ما زالت "طبيعية" وأن المجتمع الفلسطيني ما زال قادراً على التكاثر، وأن الحرب لم تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، وهو ما كّذبته الوقائع الميدانية في القطاع.
ويبين الوحيدي لصحيفة "فلسطين"، أن هذا التراجع يأتي امتداداً لانهيار حاد شهدته معدلات الولادة في عام 2024، حيث سُجّل 38 ألف مولود فقط، بانخفاض وصل إلى 40%.
وقال الوحيدي: "الحرب كان لها تداعيات مباشرة وخطيرة على فئة المواليد والأمهات وصحة الطفل. نحن لا نتحدث فقط عن انخفاض في عدد المواليد، بل عن تدهور نوعي في حالتهم الصحية".
وأفاد بأن الوزارة سجلت 4900 طفل وُلدوا بأوزان منخفضة، وهو ارتفاع بنسبة 60% مقارنة بما قبل الحرب، إلى جانب 622 حالة وفاة داخل الرحم، وهو رقم يُعادل ضعف ما كان عليه قبل الحرب، و457 حالة لأطفال وُلدوا ثم توفوا لاحقاً.
كما تم توثيق 322 حالة تشوّه خلقي، بمعدل 64 حالة لكل 10 آلاف مولود حي، بينما كان المعدل قبل الحرب 32 حالة فقط لكل 10 آلاف، حسب الوحيدي.
وأكد أن الاحتلال يسعى من خلال نشر هذه الأرقام المزيفة إلى تبرير جريمة قتل أكثر من 70 ألف مواطناً خلال حرب الإبادة، من بينهم 20 ألف طفل أي ما يُمثل خُمس أعداد الشهداء، واصفاً ذلك بأنه يمثل "سقوطاً أخلاقياً وإبادة جماعية ممنهجة ارتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني".
في السياق ذاته، يرى نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، أن ترويج الاحتلال لأرقام مضللة حول المواليد يندرج في إطار محاولة منظمة لإنكار الإبادة الجماعية.
ويقول زقوت لـ"فلسطين": "الاحتلال يحاول تسويق فكرة أن ما جرى في غزة ليس إبادة جماعية، لأن أحد عناصر الإبادة هو خلق ظروف لا تسمح بولادة أجيال جديدة"، مشدداً على أن "الواقع الاجتماعي والإنساني الذي صنعه الاحتلال لا يسمح بالحياة، ومع ذلك يحاول الادعاء بأن الأوضاع طبيعية".
ويضيف: "المبالغة في أعداد المواليد تهدف إلى تطبيع الإبادة، وكأن الاحتلال يقول: قتلنا 70 ألفاً، لكن وُلد 60 ألفاً، وبالتالي لا توجد إبادة. هذا منطق خطير وساقط أخلاقياً".
ويؤكد زقوت أن الإبادة الجماعية لا تأخذ شكلاً واحداً، مشيراً إلى أن نماذج الإبادة كثيرة في التاريخ، منها القتل المباشر، ومنها استهداف النساء والإنجاب، وتعقيم النساء، واستخدام وسائل متعددة لمنع الحمل. الاحتلال يسعى اليوم لتقديم أرقام كدليل مزيف لنفي وقوع الإبادة".
في المحصلة، لا تبدو أرقام المواليد التي يروّج لها الاحتلال سوى أداة دعائية لتبرير الجريمة، وإنكار الإبادة الجماعية، والتغطية على استهداف ممنهج للأطفال منذ وجودهم في أرحام أمهاتهم. أرقامٌ تحاول إنقاذ الرواية الإسرائيلية، لكنها تعجز عن إخفاء الحقيقة الدامغة: ما يجري في غزة هو إبادة ممنهجة للحياة، قبل أن تولد وبعد أن تولد.
وتواصل قوات الاحتلال جرائم القتل والقصف والتدمير في قطاع غزة على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، حيث ارتفعت حصيلة ضحايا الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 71 ألفاً و769 شهيداً، و ما يزيد عن 171 ألفاً و 483 مصاباً، وفق بيان لوزارة الصحة أمس.