كان محمد أبو غليون يعدّ الأيام بصمت، يقترب من حلمٍ بسيط طال انتظاره، قبل أن تختصر غارة واحدة الطريق كلّه. في لحظة عابرة قرب مركز شرطة الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، تحوّل الشاب الذي كان يستعد لزفافه بعد عشرة أيام إلى جثمان مسجّى، وبقي الفرح معلقًا عند بابٍ لم يُفتح.
لم يكن محمد، البالغ من العمر 35 عامًا، يعلم أن خطواته الأخيرة ستكون برفقة شقيقه يوسف، وأن الحديث العادي عن تفاصيل الأيام المقبلة سيصبح وداعًا أخيرًا. كانا يسيران معًا، يتبادلان الكلام عن الزفاف القريب، عن البيت الذي سيجمعه بعروسه، وعن حياة بدت قريبة المنال.
فجأة، دوّى انفجار عنيف، قطع الحديث وأسقط السماء على الأرض. يقول يوسف أبو غليون بصوت تختلط فيه الكلمات بالبكاء: “كنا نمشي ونتحدث عن أشياء بسيطة، وفجأة لم أشعر إلا بالركام يتساقط علينا، كل شيء انهار في لحظة”.
أصيب يوسف بجروح وقطوع في أنحاء متفرقة من جسده، بينما ارتقى محمد شهيدًا على الفور. “التفتُّ أبحث عنه، وجدته ممددًا على الأرض، جسده ممزق وعالق بين الركام. ناديت باسمه… لكنه لم يُجب”، يضيف شقيقه وهو يحاول استيعاب ما حدث.
كان محمد قد أنهى تجهيزاته للزفاف، اختار ملابسه، ورسم ملامح حياة بسيطة مع شريكة عمره. لم يكن مقاتلًا، ولم يحمل سلاحًا، سوى قلبٍ مفعم بالأحلام. يقول يوسف بحرقة: “ما ذنب محمد؟ ماذا فعل ليُقتل؟ كنا نعدّ الأيام… عشرة أيام فقط تفصلنا عن فرحته”.
وبالقرب من ثلاجات الموتى في مجمع الشفاء الطبي، جلس والد محمد منكسرًا، يحدّق في وجه ابنه للمرة الأخيرة. بصوت مبحوح قال لصحيفة "فلسطين": “لماذا ابني؟ لماذا يُقتل وهو على موعد مع الفرح؟”. يتوقف قليلًا ثم يتابع: “كيف سأخبر أمه؟ وماذا سأقول لعروسه التي كانت تنتظره بعد عشرة أيام؟”.
تحوّل البيت الذي كان يستعد للزفاف إلى بيت عزاء، وغابت الأغاني لتحلّ محلها دموع صامتة. يقول الأب: “كنا نعيش على أمل الزفة، واليوم لا صوت إلا البكاء”.
وتؤكد عائلة أبو غليون أن استشهاد محمد يأتي في سياق سياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في قطاع غزة، في انتهاك واضح للقوانين الدولية، حيث تُستهدف الأحلام قبل البيوت.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش سكان القطاع تحت حرب إبادة متواصلة، لم تترك مجالًا للحياة ولا مكانًا آمنًا للأمل. ومع فجر يوم أمس، واصل الاحتلال خروقاته عبر القصف المدفعي وإطلاق النار من الطيران المروحي والآليات العسكرية، في استمرار لخرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي.
في غزة، لا يُقاس الفقد بعدد الشهداء وحدهم، بل بعدد الأفراح التي تُجهض قبل أن تولد. ومحمد أبو غليون، الذي كان ينتظر زفافه بعد عشرة أيام، غاب جسدًا، وبقيت قصته شاهدًا على حلمٍ سرقته الحرب قبل اكتماله.