لم يكن مجرد معلم لغة عربية، بل كان ذاكرة مدرسية كاملة تسكن قلوب أجيال، برحيل معلم فلسطيني من غزة، الجمعة 30 يناير 2025، عادت عشرات قصص الوفاء والحب إلى السطح، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي في السعودية بنعي واسع لمدرّس علّم طلابه كيف يُحبّون العربية، وكيف يصبح النحو والصرف مادة حياة لا عبئًا دراسيًا، قبل أن يعود إلى غزة عام 1996 ويُسدل الستار على رحلة تعليم امتدت لعقود.
المعلم أحمد كوارع، ليس اسمًا فحسب، بل ذاكرة علِقت في نفوس طلابه، فكأنّ جاء موته ليفتح لهم صفحة من تاريخ سُطرت بالمحبّة بينه وبين أجيالٍ تعلّمت على يديه، فكبروا وهم يحملون أثره علمًا وأدبًا ووفاءً لا يشيخ.
لم تُمحِ السنون أثر "المعلم"؛ فكما ينقل أحد أصهاره لـ "فلسطين أون لاين"، تلقى كوارع مكالمةً مباغتة من طالبٍ سابق في السعودية بعد فراقٍ دام عشرين عاماً. فاض الاتصال بمشاعر المحبة والوفاء، وتوّجتها دهشة المعلم من الإصرار الذي قاد الطالب للعثور عليه في زحام غزة بعد كل هذا الغياب.
نعي مؤثر
على منصة "X"، بثّ الطالب السابق عبد الله بن جاري نعيًا مؤثرًا في معلمه الراحل "كوارع"، فجاءت الاستجابة فورية؛ حيث انهالت عشرات التعليقات والمشاركات التي حوّلت رحيله إلى تظاهرة في حب المعلم. وتسابق الجميع في سرد مواقفه النبيلة، في مشهدٍ يعكس حجم الفراغ الذي تركه رجلٌ لم يكن مجرد مدرّس، بل منارةً ت يفتخر بها.
استذكر بن جاري معلمه بكلمات ملؤها الوفاء قائلًا: "انتقل إلى رحمة الله الأستاذ الفاضل أحمد كوارع أحد المعلمين القدامى والذي تخرج على يده الكثير من طلاب مدارس النماص في فترة السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي وكنت أحد طلابه في المرحلة المتوسطة بمتوسطة النماص، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه وأن يجعل ما قدمه لنا أثناء عمله في موازين حسناته، ونتقدم بالتعزية لأبنائه وأقاربه وذويه وإنا لله وإنا إليه راجعون".
إنتقل إلى رحمة الله الأستاذ الفاضل أحمد كوارع أحد المعلمين القدامى والذي تخرج على يده الكثير من طلاب مدارس النماص في فترة السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي وكنت احد طلابه في المرحلة المتوسطة بمتوسطة النماص ، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه وأن يجعل ما قدمه لنا أثناء عمله في… pic.twitter.com/q7zqe1MUXW
— عبدالله بن جاري (@Bin_Jari) January 30, 2026
من جانبه، دوّن صاحب حساب "المسافر" شهادة في حق الراحل قائلًا: "الله يرحمه ويغفر له كان معلما فاضلا ولا أنسى فضله وتعليمه لنا في تلك الفترة حتى أنه حبب إلينا مادة اللغة العربية (القواعد) بأسلوبه الجميل، رحمه الله كان معلما وأبا وأخا وصديقا وكانت حصته أجمل حصة".
وفي ذات السياق، أعرب فهد الشهري (الراقي) عن امتنانه قائلًا: "الله يرحمه كان معلما فاضلا ولا أنسى فضله وتعليمه لنا في تلك الفترة حتى أنه حبب إلينا اللغة العربية بأسلوبه الجميل".
بينما فاضت مشاعر مغرم البكري بالود وهو يصف اندماج المعلم في مجتمعه: "اللهم اغفر له وارحمه وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة كان معلما فاضلا ومرحا وكنا نعتبره من أهل النماص عاش محبوبا ومات وأهل النماص تحبه وتترحم عليه ووداعا إلى جنات الخلد".
واستعاد الطالب يحيى البكري الشهري ذكريات المداعبة التربوية بقوله: "اللهم اغفر لعبدك أحمد كوارع… واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس.. نعم المعلم والمربي !! لا أنسى مداعبته لطلابه بجملة: (قرص تسلخه على الصبح)!!. رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة".

صور للمعلم الراحل أحمد كوارع استذكرها طلابه وهو في ربوع التعليم
ولم تتوقف سيل التعازي عند هذا الحد، بل توالت دعوات العشرات من طلابه الذين أجمعوا على نبل أخلاقه، سائلين الله أن يغفر له ويدخله الجنة جزاء ما قدم لطلبته في السعودية من علم ومعرفة.
وفي شهادة أخرى، أكد عبد الله الشهري على الأثر الباقي للراحل قائلًا: "غفر الله له ورحمه رحمة واسعة فلقد كان أبا قبل أن يكون معلما ومربيا وترك في نفوسنا وحياتنا أثر طيب وحب لهذا المعلم الفاضل".
أما حساب "أبو الوليد"، فقد وثّق حقبة من مسيرة المعلم بقوله: "غفر الله له وأسكنه فسيح جناته درسني في ثانوية الملك عبد العزيز بالنماص، 1416 هجري، كان من أفضل المعلمين هو والأستاذ طاهر فرحات".
توفى المعلم أحمد كوارع في نزوح مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، متجرعا مرارة وألم هدم بيته الذي دمره الاحتلال، وأرضه التي تم تجريفها أيضا بكل ما فيها من أشجار قبل أن يرغم قسرا من عدم الوصول بفعل الحرب.
وبدى هذا السيل من المشاعر العابرة للحدود، من جبال النماص في السعودية إلى غزة في فلسطين، ليثبت أن رسالة المعلم الحقيقي لا تنتهي بانتهاء الحصة الدراسية، ولا تُطوى بمغادرة البلاد؛ بل هي بذورُ حُبٍّ تثمر وفاءً حتى بعد رحيل صاحبها.

