في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث البيوت المتلاصقة تحفظ أسماء ساكنيها وتفاصيل حياتهم، كانت عائلة عواجة تعيش في منطقة تل الزعتر، قبل أن تُقتلع من بيتها قسرًا تحت وطأة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
اليوم، لم يعد لذلك البيت سوى ذكرى، في حين تحمل العائلة معها قصة تثقل كاهلها، محاورها الفقد والإصابات والنزوح القسري المتكرر، إذ بدأت باستشهاد ابنها الذي لم يتجاوز عمره 16 عامًا، ولم تنتهِ عند خيمة مهترئة في جنوب قطاع غزة.
علي عماد عواجة، شاب في الرابعة والعشرين من عمره، يجلس داخل خيمته في مدينة خان يونس، محاولًا أن يستعيد تفاصيل الأيام التي غيّرت حياة عائلته إلى الأبد.
يقول لـ "فلسطين أون لاين": "الحكاية بدأت حين خرج شقيقهم الأصغر، الذي لم يكن يحمل سوى جالونات فارغة، بحثًا عن الماء، ففي غزة، وببداية الحرب لم تعد هذه مهمة عادية، بل مغامرة محفوفة بالموت، فلم يتأخر كثيرًا، لكنه لم يعد حيًّا"، فقد عاد لعائلته محمولًا على الأكتاف، بعد أن استُهدف أثناء محاولته تأمين احتياج أساسي للعائلة، ليرتقي شهيدًا، ويترك فراغًا لا يُملأ.
لم تمهل الحرب العائلة وقتًا كافيًا للحزن، فبعد ثلاثة أيام فقط، كانت الأم لا تزال تتلقى واجب العزاء داخل المدرسة التي نزحت إليها العائلة قسرًا، وبين كلمات المواساة، وصلها خبر جديد، أشد قسوة: إصابة نجلها عبد الرحمن، البالغ من العمر 27 عامًا.
اقرأ أيضًا: صباح لـ"فلسطين": ارتفاع كبير بأعداد مرضى العيون في غزة جراء حرب الإبادة
كان عبد الرحمن يقف قرب شباك الغرفة الصفية التي احتمت بها العائلة، يحاول استنشاق بعض الهواء، حين وقع قصف إسرائيلي على مكان قريب من المدرسة. لم يكن الهدف مباشرًا، لكن شظية اخترقت المسافة لتستقر في عينه، وتغيّر مسار حياته، لم يتمكن من تلقي العلاج الفوري، إذ كانت مستشفى العودة خارج الخدمة بسبب انهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في شمال القطاع.
ويضيف علي: "مرت الأيام، ومعها كانت عين عبد الرحمن تفقد قدرتها على المقاومة، الألم يزداد، والرؤية تتلاشى، والعائلة عاجزة عن توفير العلاج اللازم، وبعد مشقة، نُقل إلى مستشفى العيون، حيث كانت الكلمات أكثر قسوة من الإصابة نفسها: "عينك سبقتك للجنة."
لم يكن هناك خيار علاجي حقيقي، سوى قطرات طبية مؤقتة، فيما ظل عبد الرحمن بحاجة إلى تحويلة علاجية عاجلة لتركيب عين صناعية، لم يحصل عليها حتى اللحظة.
إصابة عبد الرحمن جاءت فوق جراح قديمة، ففي عام 2018، أُصيب إصابة خطيرة في الرأس، أدت إلى خلل في خلايا الدماغ، وجعلته من ذوي الاحتياجات الخاصة، يعيش بوضع نفسي هش ومعقّد، ومع الإصابة الثانية، تضاعفت معاناته النفسية والجسدية، وبات بحاجة إلى رعاية مستمرة، في وقت تكافح فيه العائلة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وكأن كل ذلك لم يكن كافيًا، يكمل علي حديثه: "وبعد فترة قصيرة، أصبت برصاصة اخترقت يدي اليمنى بمدخل ومخرج، وامتد أثرها إلى صدره، فتسببت لي بتشنجات في أوتار يدي، فأصبحت أحركها بصعوبة، ويشتد عليّ الألم مع كل انخفاض في درجات الحرارة".
اقرأ أيضًا: مركز حقوقي: إصابات العيون تسجل ارتفاعاً كبيراً جراء العدوان الإسرائيلي على غزة
يصمت قليلًا ثم يعود لإكمال وجعه: "بنام وبستيقظ على المسكنات"، ليس هربًا من الألم فقط، بل ليبقى قادرًا على الوقوف إلى جانب والدته، التي فقدت ابنها الأصغر، وتعيش قلقًا يوميًا على عبد الرحمن، الذي يحمل تحويلة طبية للسفر خارج القطاع وتركيب عين صناعية، علها تخفف من أوجاع بات غير مدرك لها.
وفي أغسطس/آب 2025، وجدت العائلة نفسها مجبرة على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه، بعد فقدان البيت وكل ما فيه. لم يكن في انتظارهم سوى خيمة في مدينة خان يونس، خيمة لا تقي برد الشتاء لكنها باتت الملاذ الأخير لعائلة أنهكتها الخسارات.

