قائمة الموقع

محمد أبو وطفة... أب خرج لقوت أطفاله فعاد ببترٍ وفقدٍ لا يُحتمل

2026-01-29T18:34:00+02:00
صورة تعبيرية
فلسطين أون لاين

لم يعد محمد أبو وطفة يحمل أكياس الخبز كما كان يفعل كل صباح، بل يجلس اليوم على كرسي متحرك، يتأمل حياة انقلبت في لحظة واحدة. خرج في أحد أيام الحرب الأولى ليؤمّن رغيفًا لأطفاله، فعاد بجسدٍ مبتور، وقلبٍ مثقلٍ بفقد ابنه، وحربٍ لم تترك له سوى الانتظار.

في السادس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غادر محمد حسن أبو وطفة (31 عامًا) منزله في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، متجهًا إلى المخبز القريب. لم يكن يحمل سوى همّ بسيط يشبه همّ آلاف الآباء في القطاع المحاصر: توفير الخبز وسط الحرب.

اصطف محمد في طابور طويل، ساعات من الانتظار والخوف الصامت من غارة قد تقع في أي لحظة. تقول زوجته نورا أبو وطفة لصحيفة فلسطين: “فجأة تغيّر كل شيء… الطائرات قصفت المكان بحزام ناري عنيف، وخلال ثوانٍ تحوّل الشارع إلى دم ودخان”.

لحظة الإصابة

سقط شهداء وجرحى، وكان محمد واحدًا منهم. في البيت، كانت نورا تحاول تهدئة أطفالها الذين اعتادوا انتظاره عند الباب. تقول: “كانوا يسألون: متى بابا يرجع؟ الخبز تأخر، وأنا كنت أخاف أجاوب”.

لم يطل الانتظار، لكن الخبر الذي وصل كان أقسى من كل المخاوف. اتصال سريع أخبرهم أن محمد أصيب ونُقل إلى المستشفى، وحالته خطرة.

تصف نورا المشهد الأول الذي رأته بمرارة: “رجله كانت مبتورة تقريبًا، ومعلقة بشيء بسيط، والرجل الثانية مليانة شظايا وصلت للعظم”. أُدخل محمد غرفة العمليات على وجه السرعة، وسط نزيف وألم شديدين.

ورغم ذلك، تقول زوجته لصحيفة "فلسطين": “أول ما فتح عيونه، قال الحمد لله… كان راضيًا بقضاء الله، وعيونه مليانة دموع”.

نزوح ووجع مستمر

لكن النجاة من الموت لم تكن نهاية المأساة، بل بدايتها. عاش محمد أيامًا قاسية بين الألم الجسدي والنزوح القسري من مكان إلى آخر هربًا من القصف. وجدت نورا نفسها أمام خيارات مستحيلة: “أشيل أطفالي، وأكبرهم عمره خمس سنين؟ ولا أشيل الفرش والأغراض؟ ولا أساعد محمد على الكرسي المتحرك؟”.

ازدادت الأمور سوءًا عندما أبلغ الأطباء محمد بأن البتر الذي أُجري له يحتاج إلى بترٍ آخر، في ظل انعدام الإمكانات الطبية والعجز عن توفير الأدوية. وقبل الحرب، كان يعمل موظف توصيل لدى إحدى الشركات، لكن القصف أغلق الشركة، وانقطع مصدر رزق العائلة الوحيد.

فقد الابن

وبينما تحاول العائلة التأقلم مع إصابة الأب، جاءت الضربة الأقسى. بدأ طفلهما الأول حسن يعاني من التهابات حادة، وضيق في التنفس، وارتفاع مستمر في الحرارة. كشفت الفحوصات عن وجود مياه على الرئتين.

تقول نورا: “كنت أتنقل بين قسمين في المستشفى الأوروبي… زوجي في جهة، وابني في جهة ثانية، وكل واحد فيهم محتاجني”.

احتاج حسن إلى علاج عاجل وسفر للخارج، لكن الحرب وإغلاق المعابر أخّرا كل شيء. لم يكن الوقت في صالح الطفل، فتدهورت حالته، وبعد نقله متأخرًا إلى المستشفيات المصرية، استشهد حسن، تاركًا أمه معلّقة بين حزن الفقد وعجز الواقع.

في السابع والعشرين من شباط/ فبراير 2025، سافر محمد إلى مصر لتلقي العلاج، على أمل أن تبدأ رحلة التعافي. لكن الأمل بقي معلقًا، إذ لم يتلقَّ حتى اليوم العلاج المطلوب، وبقي عالقًا بين المواعيد والانتظار.

تعيش نورا اليوم بجراحٍ متراكمة: فقدت ابنها، وغاب زوجها دون علاج، وخسرت بيتها، وتحملت مسؤولية ما تبقى من عائلتها في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

وتختم حديثها بصوت يختصر الحكاية: “محمد خرج يجيب الخبز… رجع مكسور الجسد، وأنا رجعت أمّ بلا ابن، وحياتنا كلها صارت انتظار”.

اخبار ذات صلة