تتصاعد حملات التحريض ضد صحفيين وكُتّاب في قطاع غزة، على خلفية مواقفهم المهنية وانحيازهم الواضح للرواية الفلسطينية، في مشهد يعكس تداخلاً خطيراً بين الدعاية الإسرائيلية وبعض التجاذبات الداخلية، ويطرح أسئلة عميقة بشأن حرية التعبير، وحماية الصحفيين، وحدود الخلاف السياسي في زمن الإبادة.
هذه الحملات لا تستهدف أفراداً بعينهم فحسب، بل تضرب جوهر العمل الصحفي، وتهدد حق المجتمع الفلسطيني في المعرفة، وتخدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – أهداف الاحتلال في إسكات الشهود، وتفريغ المأساة من روايتها الإنسانية والسياسية.
وكان آخر حملات التحريض ضد الصحفي الفلسطيني محمود هنية الذي يتعرض لحملة تشويه ممنهجة ومقصودة على خلفية آرائه ومواقفه الإعلامية وعمله المهني في مواجهة رواية الاحتلال الإسرائيلي.
طالع أيضًا: تقرير محمود هنية.. صحفي فقد عائلته ولم يفقد قضيته
ولم يكن الصحفي "هنية" الوحيد الذي تعرض لهذه الحملات فقد سبقه الصحفي احمد منصور والكاتب إبراهيم المدهون، على خلفية آرائهم وكتاباتهم الصحفية والسياسية، وهو ما يعكس سياسة ممنهجة لدى بعض الأطراف التي تسعى للنيل منهم.
ويتضح أن الهدف من هذه الحملات هو اسكات الصوت الفلسطيني وتقويض مصداقية الرواية التي ينقلها الصحفيون والكُتّاب من قلب المأساة والمعاناة التي يعيشها قطاع غزة بفعل حرب الإبادة الجماعية التي امتدت لأكثر من عامين.
يقول مدير منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين، إن المنتدى يتابع "بقلق وألم بالغين حملات التحريض التي يتعرض لها بعض الصحفيين في قطاع غزة، على خلفية تعبيرهم عن آرائهم المهنية ودعمهم للرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية".
ويؤكد ياسين لصحيفة "فلسطين"، أن هذه الحملات تأتي في سياق أوسع من الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للإعلام الفلسطيني، والذي لم يتوانَ عن تدمير المقرات الصحفية، وقتل واعتقال وإصابة الصحفيين، والتحريض العلني والسافر عليهم.
ويضيف أن "الطامة الكبرى" تكمن في أن بعض هذه الحملات التحريضية تصدر عن أطراف فلسطينية داخلية، ما يزيد من معاناة الصحفي الفلسطيني، خاصة في أوقات العدوان، حين يكون أحوج ما يكون إلى الدعم والمساندة.
ويرى ياسين أن الصحفي الفلسطيني يؤدي دوراً مركزياً في خدمة القضية الوطنية، والدفاع عن الرواية الفلسطينية، والتصدي لحملات التزييف والدعاية والحرب النفسية التي يشنها الاحتلال، ما يجعل استهدافه أخلاقياً ومهنياً أمراً بالغ الخطورة.
وحول الجهات التي تقف خلف هذه الحملات، يشير ياسين إلى وجود أطراف لها صلات بأجهزة أمنية في الضفة الغربية، إلى جانب قوى مرتبطة بالمناكفات السياسية والصراعات الداخلية، تحاول تشخيص الخلافات الحزبية، والنيل من مصداقية الصحفيين عبر مهاجمتهم شخصياً، بعد العجز عن مواجهتهم في ميدان الرأي والتعبير وكشف الحقائق أمام الجمهور الفلسطيني.
ويؤكد أن بعض هذه الجهات يعمل بشكل مكشوف، فيما تلجأ جهات أخرى إلى أسماء وهمية وحسابات مستترة، بهدف تشويه صورة الصحفي الفلسطيني، والتشكيك في نزاهته وأمانته المهنية، بما يمهّد لاستهدافه من الاحتلال.
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن هذه الحملات، ليست ظواهر عشوائية، بل مخرجات "منظومة متكاملة للحرب الهجينة" تقودها دولة الاحتلال ضمن ما يسميه "السيبرانية السياسية".
ويوضح شاهين لـ"فلسطين"، أن هذه الحملات تنطلق من مراكز "الهاسبارا" الإسرائيلية، عبر حسابات موجهة ومنشورات مبرمجة وحملات منسقة، تُصنّف الصحفي الفلسطيني "إرهابياً" لمجرد نقله الحقيقة.
ويبين أن هذه المنظومة تبدأ من القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حيث تتكامل وزارات ومؤسسات أمنية في هندسة الوعي العالمي، عبر تصنيع ارتباطات مفبركة بين الصحفيين والفصائل الفلسطينية، لتحويلهم من شهود على الجرائم إلى "أهداف مشروعة".
أما على المستوى التنفيذي، فتُستخدم جيوش الذباب الإلكتروني، ومنصات تشويه مؤسسية، ومؤثرون وواجهات زائفة، لتصدير الدعاية الإسرائيلية بغطاء يبدو مستقلاً ومهنياً.
أما أهداف هذه الحملات، فيرى ياسين وشاهين أنها تتقاطع عند محاولة “قتل الشاهد” معنوياً، عبر تشويه سمعته ونزع شرعيته المهنية، بما يفرض عليه رقابة ذاتية، أو يحيّده عن ميدان المواجهة الإعلامية، ويفتح المجال لتمرير الأكاذيب دون مساءلة.
ويشير ياسين إلى أن هذه الأهداف تتماهى بشكل خطير مع أهداف الاحتلال، وتضر بالنسيج المجتمعي الفلسطيني، عبر نشر خطاب الكراهية والتحريض، وتقويض قيم التعددية واحترام الاختلاف.
وشدد على ضرورة محاسبة كل من يقف خلف حملات التشهير والإساءة الشخصية والعلنية بحق "فرسان الإعلام الفلسطيني"، مطالباً بضرورة وضع حدّ لهذه الحملات، وحماية الصحفي الفلسطيني وحرية الرأي والتعبير، وإخراج الإعلاميين من أتون المناكفات السياسية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، بما يخدم الصالح العام الفلسطيني.