لم يكن محمد عوض أبو حميدان، 29 عامًا، يبحث عن بطولة ولا عن مغامرة نجاة، كل ما أراده في تلك الليلة أن يمرّ الظلام بسلام. جلس مع أسرته الصغيرة داخل بيتهم، يحاول أن يقنع أطفاله بأن الخوف عابر، وأن أصوات الحرب لن تصل إليهم. لكن البيت لم يكن ملجأً… تحوّل إلى فخ.
يقول محمد لصحيفة “فلسطين” بصوت مثقل بالألم: “سمعت صوت الدبابات الإسرائيلية تقترب… شعرت أن الخطر صار واضحًا، لم أستطع الانتظار أكثر”.
مع أول دويّ للصواريخ، اتخذ قراره الأخير. حمّل أطفاله في سيارة المياه التي يعمل عليها، محاولًا الفرار بهم قبل أن يبتلعهم القصف. لم يكن يعلم أن السماء كانت تراقبهم.
يقول بحسره: “حاولت إنقاذ أبنائي، لكن طائرة استطلاع إسرائيلية كانت تترصدنا، وأطلقت صاروخًا مباشرًا”.
في تلك اللحظة، انقلبت محاولة النجاة إلى مأساة كاملة. أُصيب محمد وعائلته بإصابات متفاوتة، لكن الفقد الأكبر كان استشهاد ابنه المعتصم، سبع سنوات، الذي رحل قبل أن يفهم لماذا كان يهرب.
“أي وجع يمكن أن يُحكى؟ فقدان العين موجع، لكن فقدان الابن… هو الفقد الذي لا يُعوّض”، يقول محمد، متوقفًا طويلًا بين الكلمات.
حاولت سيارة إسعاف الوصول إلى المكان، لكنها تعرضت لإطلاق نار غير مباشر. ورغم الخطر، تمكن أحد المسعفين من الوصول إليهم وإنقاذ ما تبقى من حياة.
كانت إصابة محمد بالغة: فقد عينه اليمنى، والطحال، وإحدى كليتيه، إضافة إلى استئصال جزء من معدته.
“بفقدي لعيني فقدت حياتي كلها. لا أستطيع العودة إلى عملي ولا إلى مصدر رزقي. وجع فقدان ابني لا تُسكّنه أدوية، ولولا ستر الله لكنت فقدت قدمي أيضًا، بعد ثلاث عمليات جراحية لإنقاذها”.
زوجته لم تكن أقل وجعًا. أصيبت في الدماغ، ما أثر على نطقها وحركتها، وأصبحت أيامها صراعًا دائمًا مع الألم، ومع مسؤولية الأبناء واحتياجات البيت وزوجها الجريح.
لم تتوقف المأساة عند حدود الجسد. البيت دُمّر، والإمكانات الطبية شبه معدومة.
“منذ يوم إصابتنا في 5/10/2024 وحتى اليوم، لم نتلق علاجًا كافيًا. كل شيء هنا صعب ومكلف. أنفقت كل ما ادخرته على العلاج والنزوح، وحتى السفر للعلاج يحتاج معجزة وتحويلة طبية”.
قصة محمد أبو حميدان ليست استثناءً. هي واحدة من آلاف الحكايات في غزة، حيث لا يُقاس الفقد بعدد الجراح، بل بما يُنتزع من القلب: بيت، أمان، طفل… وحياة كانت تنتظر أن تُعاش.