مع كل فجر جديد في قرية عطارة، لا يقتصر القلق على الوصول إلى العمل أو تجاوز الحاجز العسكري القريب، بل يمتد إلى سؤال أبسط وأكثر قسوة: هل مرّت الليلة بسلام؟ على التلال الشمالية لمدينة رام الله، تعيش عطارة في تماسٍ مباشر مع واقع استيطاني متسارع، حوّلها من قرية زراعية هادئة إلى ساحة احتكاك مفتوحة مع الاحتلال والمستوطنين.
تقع القرية على بُعد نحو 14 كيلومترًا شمال رام الله، ويجاورها حاجز عطارة العسكري، في حين تحاصرها طرق استيطانية وبؤر حديثة أُقيمت على الجبال المقابلة. هذا الموقع الجغرافي جعل الحياة اليومية سلسلة من القيود، والخوف الليلي جزءًا من المشهد العام.
فجر يوم الأحد، عند الساعة الثانية والنصف تقريبًا، انكسر هدوء القرية. يروي عبد العزيز سراحنة (54 عامًا)، أحد سكان محيط الحاجز، تفاصيل تلك الليلة التي تسلل فيها مستوطنون من الجهة الجبلية المقابلة لعطارة.
“بدؤوا بكتابة شعارات عنصرية على الجدران والمركبات، ثم أحضروا مادة حارقة وشرعوا بالدوران بين السيارات المركونة قرب البيوت”، يقول سراحنة لصحيفة "فلسطين".
انتبه السكان سريعًا، وخرج عدد منهم وهم يصرخون في وجه المهاجمين، ولاحقوهم، ما أربك المستوطنين ودفعهم للتراجع. ورغم ذلك، أُحرقت سيارة واحدة بالكامل، فيما نجاَت سيارة ثانية بعد تدخل الأهالي وإجبار المعتدين على الفرار باتجاه الجبال المحيطة.
بالنسبة لسراحنة، لم تكن الحادثة معزولة. ففي محيط منزله، وعلى مسافة لا تتجاوز مئة إلى ثلاثمئة متر، أُحرقت خلال الأشهر الماضية خمس إلى سبع سيارات، في حوادث متفرقة لكنها متشابهة في التوقيت والأسلوب.
“تقريبًا كل شهرين يحدث الشيء نفسه”، يقول، “الأمر بات نمطًا واضحًا لبث الخوف والضغط على الأهالي”.
يربط السكان بين تصاعد هذه الاعتداءات وظهور بؤرة استيطانية جديدة أُقيمت على الجبل المقابل لعطارة قبل نحو عام. قبل ذلك، كما يقول سراحنة، لم تشهد القرية مثل هذه الهجمات. “منذ إقامة البؤرة تغيّر كل شيء، الاعتداءات تكررت واتسعت، والمستوطنون ينسحبون دائمًا باتجاه الجبال نفسها”.
ولا تقتصر معاناة عطارة على الليل. حاجز عطارة العسكري يفرض قيودًا يومية على حركة السكان، إذ قد يصل الانتظار إلى ساعة أو أكثر، ما ينعكس مباشرة على الوصول إلى أماكن العمل، والجامعات، والمستشفيات. كما تتأثر القرى المجاورة شمال رام الله، التي تعتمد على هذا المحور الحيوي للتنقل والتجارة.
الضغط الأكبر، وفق شهادات الأهالي، يطال الأراضي الزراعية. فعطارة قرية تعتمد في أساسها على زراعة الزيتون واللوزيات، لكن المستوطنين يمنعون المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ويطلقون قطعانهم للرعي داخل الحقول المزروعة، متسببين بتخريب الأشجار والمحاصيل.
“استهداف الزراعة يعني استهداف حياة القرية كلها”، يقول سراحنة، الذي عمل سابقًا أستاذًا وهو اليوم متقاعد.
وتقع عطارة ضمن نطاق جغرافي يشهد تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، يشمل قرى شمال رام الله مثل بيرزيت، برهام، جلجليا، وأطراف سنجل. وتشير معطيات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى تسجيل عشرات الاعتداءات في المنطقة خلال العام الأخير، تنوعت بين إحراق مركبات، وتخريب ممتلكات، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، وغالبًا في محيط بؤر استيطانية حديثة.
وتؤكد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في بيانات متكررة أن المستوطنات والبؤر الاستيطانية المقامة في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتطالب بحماية المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن اعتداءات المستوطنين. في المقابل، ترى منظمات حقوقية، من بينها “بتسيلم”، أن التوسع في البؤر الاستيطانية، لا سيما الرعوية منها، أدى إلى سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأراضي، عبر العنف والتهديد ومنع الوصول.
في عطارة، لا تُقرأ هذه المواقف الدولية كنصوص قانونية بعيدة، بل كشرح متأخر لواقع يومي. واقع تُقاس فيه المسافات بعدد السيارات المحترقة، وتُحصى الليالي بمدى هدوئها أو توترها، بينما يواصل الأهالي تمسكهم بالبقاء في قرية يُراد لها الرحيل بالقوة، تحت ضغط الحواجز والبؤر والاستيطان المتسارع.