لا يبدو محمد حجيلة كطفلٍ في عامه الأول. وجهه الصغير مغطّى بقناعٍ بلاستيكي، وصدره يعلو ويهبط بصعوبة، وبكاؤه مكتوم كأن الألم تعلّم كيف يختبئ داخله. في مدرسة مصطفى حافظ غرب مدينة غزة، حيث تعيش عائلته نازحة داخل غرفة صفية، يبدأ سباق قاسٍ مع الزمن: ثلاثة أشهر فقط تفصل محمد عن مستقبل قد تتركه الحروق فيه بآثار دائمة.
وُلد محمد في منتصف حرب الإبادة، في تموز/يوليو 2024، داخل مدرسة تحوّلت إلى مأوى قسري لعائلته الهاربة من القصف في حي الشجاعية. كان والداه ينتظران أيامًا قليلة للاحتفال بعيد ميلاده الأول، لكن الحرب كانت أسرع من أي احتفال.
في ليلة الثالث من تموز/يوليو 2025، عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، لم يكن الصمت في غرب غزة طمأنينة، بل إنذارًا. دقائق فقط فصلت محمد عن الفاجعة.
“كنت أضمّه إلى صدري، أراقب وجهه وهو نائم، كأنني أحاول أن أحميه من الحرب بجسدي”، يقول والده رامز حجيلة.
دوّى الانفجار، وتحولت المدرسة إلى كتلة من النار والغبار. سقط “الأمان” دفعة واحدة. في تلك الليلة، فقد رامز 13 فردًا من عائلته، أسماء وأرواح دفنت تحت الركام. أما محمد، فخرج حيًا… لكن بجسد لم يعد كما كان.
أُصيب الطفل بحروق من الدرجة الثانية والثالثة طالت نحو 18% من جسده: رأسه، يده، صدره، وقدمه.
“حين رأيته، لم أعرف هل أفرح لأنه حي، أم أبكي على ما حلّ به”، يقول الأب.
في غزة المنهكة، لم يكن العلاج خيارًا كاملًا. المنظومة الصحية مثقلة، والأدوية شحيحة، والتدخلات التخصصية شبه غائبة. خلال شهر ونصف فقط، خضع محمد لنحو 20 عملية جراحية، بقي خلالها تحت التخدير شبه الدائم.
“كنت أودّعه في كل مرة، ثم أتشبث بالأمل، لأن فقدانه يعني فقدان محمد”، يضيف رامز.
قتصر العلاج في بدايته على مراهم بسيطة وشاش طبي، دون رعاية متخصصة تناسب خطورة الحروق. طفل في عامه الأول تُترك معركته لجسدٍ يحاول الشفاء وحده، في مدينة أرهقتها الحرب.
ومع تجاوز مرحلة الخطر الأولى، بدأت معركة أشد قسوة: معركة الندوب. أوضح الأطباء أن الحروق العميقة تُنتج ما يُعرف بـ“النسيج الوحشي”، نتيجة إفراز غير منظم للكولاجين أثناء الالتئام، ما قد يؤدي إلى تشوهات دائمة، خاصة في الوجه والمناطق الحساسة.
للحد من هذا الخطر، وُصف لمحمد قناع بلاستيكي خاص يجب أن يُوضع على وجهه 20 ساعة يوميًا، مع ضرورة بقائه في بيئة مغلقة ونظيفة بسبب ضعف مناعته.
لكن الواقع كان أقسى من الوصفة الطبية. محمد يعيش اليوم في غرفة صفية مكتظة، بيئة لا تشبه ما يحتاجه طفل مصاب بحروق خطيرة.
لا يستطيع تحمّل القناع سوى ثلاث ساعات. يبكي بحرقة، يضيق نفسه، وقد يصل إلى حد الاختناق. والداه يحاولان السيطرة على الوضع بما يملكان: قناع للوجه، مشدّ للبطن، ومحاولات يومية لمنع النسيج الوحشي من التكوّن والانتشار.
“نفعل ما نستطيع، لكننا نخاف ألا يكون كافيًا”، يقول رامز.
الوقت لا يعمل لصالح محمد. وضع القناع منذ ثلاثة أشهر، ويجب أن يستمر ستة أشهر كاملة. بعدها، يحذّر الأطباء من أن الندوب قد تستقر، ولن يعود للقناع أي جدوى.
بقي أمامه ثلاثة أشهر فقط… ثلاثة أشهر فاصلة بين فرصة علاج حقيقية، ومصير قد يترك آثاره على وجهه وجسده للأبد.
تتضاعف المعاناة مع التكاليف. مادة السيليكون المستخدمة لعلاج الندوب غير متوفرة في قطاع غزة، وقطعة صغيرة منها كلفت العائلة 200 شيقل (نحو 70 دولارًا)، وهو مبلغ كبير لعائلة نازحة فقدت بيتها وأقاربها ومصدر رزقها.
محمد لا يهدأ إلا حين يُنزع القناع. والأسوأ أن الطفل الذي كان ينطق “ماما” و“بابا” قبل القصف، فقد صوته. الصدمة سرقت كلماته. أوصى الأطباء بعرضه على مراكز الصحة النفسية، إذ لم تحرق الحرب جلده فقط، بل أصابت روحه الغضة.
“أنا لا أطلب المستحيل”، يقول رامز بصوت مثقل بالخسارة، “أريد تحويلة طبية لابني، علاجًا حقيقيًا يمنحه فرصة لحياة طبيعية. محمد ليس حالة… هو طفل، ومن حقه أن يكبر دون أن تطارده آثار الحروق”.
بين قناعٍ لا يحتمله، ووقتٍ يضيق، وثلاثة أشهر حاسمة، يقف محمد حجيلة اليوم على حافة مستقبل لا يعرف أحد ملامحه.