قائمة الموقع

فتوى شرعية لنازحي غزة في الخيام في ظل البرد والشتاء

2026-01-26T14:14:00+02:00
خيام للنازحين في قطاع غزة
فلسطين أون لاين 

في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها النازحون في خيام قطاع غزة، ومع اشتداد البرد وانعدام الكهرباء وشح المياه ووسائل التدفئة، برزت تساؤلات فقهية ملحّة تتعلق بالطهارة وأداء العبادات والعلاقة الزوجية. وفي هذا السياق، صدرت فتوى شرعية تتناول جملة من المسائل المهمة التي تمس حياة النازحين اليومية، وتقدم أحكامًا تخفف الحرج وتراعي واقع الضرورة، استنادًا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال أهل العلم وذلك للشيخ المفتي إحسان عاشور.


الشيخ المفتي إحسان عاشور مفتي مدينة خان يونس 

بلوغ المرام في مسائل مهمة يحتاجها النازحون من أهل الخيام

((المسألة الأولى))

قد تطهر الحائض أو النفساء ليلًا أو قبيل الفجر، وقد تصيب الجنابة أحدنا ليلًا من جماع أو احتلام، وقد اجتمعت علينا أجواء الشتاء الباردة وظروف النزوح القاسية في الخيام، فيتعذر عليه الاغتسال لصلاة الفجر بسبب شدة برودة الجو، وتعذر القدرة على تسخين الماء أو تعسرها نظرًا لعدم وجود الكهرباء وشح الغاز وقلة الحطب، ومؤنة إشعال نار الحطب ليلًا إن وجد، ويخشى المرض إن اغتسل في هذه الظروف، فهل يجوز له أن يتيمم حينئذ؟

الجواب: نعم، يجوز لمن هذا حاله أن يتيمم بسبب هذه الظروف المذكورة، لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]، فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا) أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني.

وقوله: (فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك) أي خفت وحذرت، والمعنى أنه خشي على نفسه الهلاك أو الضرر الكبير الذي يلحق جسده أو يؤدي به الاغتسال إلى المرض.

وقوله: (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا) فيه دليلان على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك: الأول التبسم والاستبشار، والثاني عدم الإنكار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدًا على باطل، والتبسم أقوى دلالة من السكوت على الجواز، وفيه ما يشعر بالرضا.

قال البخاري رحمه الله في كتاب التيمم: (باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم، ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف) (صحيح البخاري 1/77).

((المسألة الثانية))

هل يجوز لعدم الماء أو فاقد القدرة على استعماله أن يجامع زوجته؟

وهل يحق للزوجة أن ترفض الجماع لعدم وجود الماء أو عدم قدرتها على استعماله في هذه الأجواء؟

الجواب: في المسألة قولان للعلماء، والراجح عندي أنه يجوز له ذلك إذا خاف الضرر على نفسه بسبب ترك الجماع، ولا يجوز للزوجة أن ترفض الجماع عند حاجة زوجها إليه متعللة بعدم قدرتها على استعمال الماء للاغتسال في شدة البرد، وانعدام القدرة على تسخين الماء أو خوفها الضرر والهلاك إن اغتسلت، ويجوز والحالة هذه أن يتيمم المحدث لصلاة الفجر، فإذا طلع النهار وتمكن من تسخين الماء اغتسل.

ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43، والمائدة: 6].

وقد دلت الآية على جواز الجماع حال عدم الماء، لأن الملامسة هي الجماع كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما.

كما دل حديث أبي ذر رضي الله عنه على أن الصعيد الطيب يقوم مقام الغسل بالماء عند عدمه، وأن التيمم طهور لمن لم يجد الماء حتى يجد القدرة على استعماله.

((المسألة الثالثة))

من تيمم وصلى الفجر على هذه الحالة ثم اغتسل لما قدر على استعمال الماء، فهل يعيد صلاة الفجر؟

الجواب: صلاته صحيحة ولا إعادة عليه باتفاق الفقهاء، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر، فذكرا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)، وقال للآخر: (لك الأجر مرتين) أخرجه أبو داود.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

اخبار ذات صلة