لم يعد القلق من التتبع الرقمي مرتبطًا فقط بكاميرات المراقبة أو البرمجيات الخبيثة كما كان الحال قبل عقد من الزمن. اليوم، ومع الانتشار الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة اللغوية المتقدمة، اتسع نطاق الأسئلة الملحّة ليشمل: هل أصبحت الأجهزة التي نستخدمها يوميًا أدوات مراقبة خفية تجمع بياناتنا بلا توقف؟
يقوم الذكاء الاصطناعي على قاعدة أساسية: البيانات هي الوقود، فكلما ازدادت البيانات التي يحصل عليها، زادت قدرته على التعلم والتحليل والتنبؤ، وتشمل هذه البيانات سجلات البحث، المواقع الجغرافية، الرسائل، وحتى نبرة الصوت.
السؤال لم يعد: هل يجمع الذكاء الاصطناعي بياناتنا؟ لأن الإجابة واضحة: نعم، بل أصبح: هل يتم استخدام هذه البيانات بطرق لا نعلم عنها شيئًا؟
أجهزة مثل أليكسا وسيري ومساعد غوغل تعمل ضمن ما يسمى بـ"الاستماع السلبي"، أي أن الميكروفون يبقى في حالة استعداد دائم لالتقاط كلمة التنبيه. ورغم تطمينات الشركات، إلا أن تقارير عديدة كشفت أن هذه الأجهزة قد تسجل أجزاء من المحادثات "عن طريق الخطأ" وترسلها للتحليل، ما يراه خبراء الخصوصية نوعًا من التجسس المقنّع.

صورة تعبيرية
الخطر الحقيقي لم يعد يتعلق بسماع صوتك فقط، بل بقدرة الخوارزميات على التنبؤ بسلوكك الشخصي. عبر تتبع المشتريات والمواقع وتحركات الهاتف، يمكن للأنظمة استنتاج معلومات حساسة مثل الحمل، تغير الوظيفة، أو الحالة الصحية — حتى قبل أن يعرف صاحبها.
انتشار أدوات مثل Microsoft Copilot وGoogle Gemini خلق بيئة عمل تراقب الموظف لحظة بلحظة. هذه الأنظمة تستطيع تحليل سرعة الكتابة، محتوى الرسائل، مستوى المشاركة في الاجتماعات، مما ينتج عنه إحساس دائم بـ"العين الراصدة" طوال ساعات الدوام.
عملاقة التقنية تؤكد أنها تعالج البيانات بشكل مجهول وتحتفظ بها على الأجهزة نفسها لتقليل المخاطر. لكن أحداث تسريب البيانات في 2024 و2025، والدعاوى القضائية التي واجهتها بعض الشركات، أثبتت أن هذه الضمانات ليست كافية، وأن البيانات الشخصية قد تكون عرضة للاستغلال أو الاختراق.
يعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي EU AI Act أكثر القوانين صرامة حتى الآن، إذ يحظر المراقبة البيومترية والتنقيط الاجتماعي ويصنف الأنظمة حسب درجة خطورتها. إلا أن مناطق كثيرة حول العالم لا تزال تفتقر إلى تشريعات مشابهة، ما يسمح للشركات بجمع البيانات تحت شعار "تحسين تجربة المستخدم".
كيف تحمي نفسك في عصر لا ينام رقميًا؟
رغم صعوبة تحقيق الخصوصية الكاملة، إلا أن بعض الإجراءات قد تقلل البصمة الرقمية: مراجعة أذونات التطبيقات باستمرار، استخدام وضع التخفي عند التصفح، الاعتماد على التشفير الكامل للمحادثات، الوعي بأن البيانات هي الثمن الحقيقي للخدمات المجانية.
الذكاء الاصطناعي لا يتجسس… لكنه يستغل البيانات، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي "يتجسس" على المستخدمين، لكنه في الحقيقة يعتمد على جمع وتحليل البيانات بشكل منهجي بهدف تحسين دقته وقدرته، ومع تقدم التكنولوجيا، أصبحنا أمام معادلة صعبة: المقايضة بين الراحة والخصوصية، ولذلك، يحتاج العالم إلى "عقد اجتماعي رقمي" يضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة للبشر… إلى رقيب عليهم.

