في حضن أبيها أحمد، جلست سجود أسبوعًا واحدًا فقط بين الحياة والموت، قبل أن يودعها إلى الثرى في مقبرة قرب مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، تاركة وراءها دموع عائلة لم تعرف الطمأنينة منذ سنوات.
حمل الأب جثمان طفلته الرضيعة بين ذراعيه، بينما كانت شهادتا ميلادها ووفاتها شاهدة على مأساة لم تنتهِ، وسار بها من المستشفى إلى المقبرة، كل خطوة محملة بألم الفقد وصرخة الوجدان على حياة توقفت قبل أن تبدأ.
عانت سجود من مشكلات طبية اكتشفها الأطباء مبكراً، وكان السبيل الوحيد لنجاتها هو سفرها إلى خارج غزة، لإجراء عمليات جراحية عاجلة لكنها لم تُمنح فرصة حقيقية للعلاج أو للحياة.
بين شهادة ميلاد لم يجف حبرها بعد، وشهادة وفاة صدرت على عجل، انتهت حكاية سجود، لكنها كشفت حجم المعاناة التي يعيشها الأطفال المرضى في غزة، من جراء تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
معاناة منذ اليوم الأول
يقول أحمد أبو عليان لصحيفة "فلسطين" وهو نازح من شرق خان يونس: إنه أطلق اسم سجود على ابنته تخليداً لذكرى ابنة أخيه التي استشهدت خلال حرب الإبادة، في محاولة للاحتفاظ بشيء من الأمل وسط الفقد المستمر، دون أن يعي بأنها ستلحق بها.
بحسب إفادة الوالد المفجوع، بدت الحالة الصحية لسجود غير مستقرة منذ اليوم التالي لولادتها، حيث ظهرت عليها أعراض غير طبيعية أثارت قلق الأسرة. وعلى الفور، نُقلت إلى قسم الحضانة في مستشفى ناصر، حيث خضعت لفحوصات طبية عاجلة.
أظهرت نتائج التشخيص الأولي وجود انسداد في الشريان الأورطي، وهو شريان رئيسي مسؤول عن نقل الدم من القلب إلى جميع أجزاء الجسم، ما أدى إلى عدم وصول الدم بشكل كافٍ إلى الأعضاء الحيوية.
ويضيف بأن الفحوصات الطبية المتقدمة كشفت لاحقاً عن وجود ثقبين في القلب، ما زاد من خطورة الحالة الصحية لطفلته، وعلى إثر ذلك، عقد الطاقم الطبي اجتماعاً عاجلاً لتقييم وضعها، وبعد نحو ساعة، أبلغوه بأن الحالة حرجة للغاية، وأن الإمكانات الطبية المتوفرة داخل غزة لا تسمح بإجراء التدخل الجراحي اللازم لإنقاذ حياتها.
الحل في السفر
وتابع: "تسلمت من الأطباء تقريراً طبياً عاجلاً، أوضح أن سجود بحاجة ماسة إلى مغادرة قطاع غزة خلال ساعات قليلة لتلقي العلاج في الخارج، وإجراء عملية جراحية متخصصة لعلاج انسداد الشريان الأورطي. وبناءً على ذلك، توجّهت إلى العديد من المؤسسات وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، لاستكمال إجراءات التحويل الطبي والسفر".
وبيّن أن المنظمة أدرجت بالفعل اسم ابنته على قوائم السفر، وأبلغته بأنها ستتصل به فور فتح المعابر والسماح للمرضى بالسفر، لكن المعابر لم تُفتح وظلت القيود مفروضة على السفر، لتكون النتيجة وفاة طفلته بعد تدهور حالتها الصحية.
ويشير الأب في حديثه لـ"فلسطين" إلى أن التأخير والمماطلة في استكمال إجراءات السفر كانا السبب المباشر في وفاة طفلته، مؤكداً أن حالتها كانت واضحة ومشخّصة، وأن الوقت المتاح لإنقاذها كان محدوداً للغاية. وبعد أسبوع واحد فقط من ولادتها، فارقت سجود الحياة داخل مستشفى ناصر، دون أن تغادر حدود القطاع أو تحصل على العلاج الذي أوصى به الأطباء.
وفي رسالة وجّهها إلى العالم، طالب أحمد أبو عليان بوقف هذا الظلم وفتح المعابر، مؤكداً أن ما حدث مع ابنته ليس حالة فردية، بل نموذج يتكرر يومياً، وأن وفيات كثيرة وقعت، وأخرى ستقع، بسبب حرمان المرضى من حقهم الطبيعي في العلاج، وهو حق كفلته مختلف القوانين والشرائع الدولية.
لحظة استثنائية
من جهتها، تقول والدة الطفلة، فداء موسى أبو عليان، إن سجود جاءت بعد خمس سنوات من الانتظار، ما جعل ولادتها لحظة استثنائية للأسرة.
وتضيف لـ"فلسطين": "كنت سعيدة جداً بولادتها، رغم أنني عانيت كثيراً خلال فترة الحمل، ووصلت خلاله إلى مرحلة الخطر، نتيجة سوء التغذية، وضعف الخدمات الطبية، والنقص الحاد في الرعاية الصحية، ما تسبب أيضاً في تأخر ولادتها".

