قائمة الموقع

أطفال بلا دروع صحية.. غياب اللقاحات يعيد أمراضًا منسية إلى غزة

2026-01-24T21:35:00+02:00
النزوح والبرد والأمراض تعصف بأطفال غزة
فلسطين أون لاين

داخل خيمة مهترئة لا تقي من برد الشتاء ولا من حر الصيف، تجلس أم محمد عبود، وهي تحتضن طفلها البالغ عامين، وكأنها تحاول أن تصنع بجسدها جدارا يحميه من عالم صار قاسيا إلى حد لا يُحتمل. محمد، الذي وُلد بعد اندلاع الحرب، لم يتلقَّ منذ لحظة ولادته أيًّا من اللقاحات الأساسية التي يفترض أن تحميه من أمراض خطيرة يمكن أن تُهدد حياته.

تقول والدته لصحيفة "فلسطين"، وهي تُمرر يدها على شعره الخفيف: "محمد كَبِرَ وهو لا يعرف معنى المركز الصحي. منذ وُلد، ونحن نعيش من نزوح إلى نزوح، من خيمة إلى أخرى، ولم نتمكن يومًا من أخذه لتلقي أي تطعيم. كل مرة نسأل يقولون لنا: لا توجد لقاحات".

تعيش العائلة في مخيم عشوائي يضم عشرات الخيام المتلاصقة، حيث تختلط روائح الصرف الصحي بدخان الحطب، وحيث لا مساحة للأطفال للعب سوى بين الطين وبرك المياه الراكدة. في هذا المكان، لا يبدو المرض احتمالا بعيدا، بل خطرًا يوميًّا يترصّد الأطفال في كل لحظة.

تُكمل الأم بصوت خافت يخالطه القلق: "الخيمة مكتظة، نحن سبعة أشخاص نعيش في مساحة ضيقة. البرد لا يُطاق ليلًا، والمطر يتسرب من كل الجهات. أحيانًا أستيقظ لأجد محمد يرتجف من شدة البرد، ولا أملك سوى بطانية رطبة أُغطيه بها".

لم يكن الحرمان من اللقاحات هو الخطر الوحيد الذي يواجه محمد. فالغذاء الذي يصل إلى العائلة شحيح وغير متوازن، يعتمد في معظمه على المعلبات والمساعدات الجافة. تقول والدته: "محمد ضعيف البنية، شهيته قليلة، ويمرض بسرعة. أعرف أن سوء التغذية يجعل جسمه أضعف، لكن ماذا بيدي؟ هذا هو المتوفر".

تحاول الأم بين الحين والآخر الوصول إلى أقرب مركز رعاية صحية أولية، لكنها تصطدم بالواقع نفسه في كل مرة "نذهب فنجد المركز مغلقًا أو يعمل ليومين فقط في الأسبوع. وإن كان مفتوحًا، يقولون إن اللقاحات غير متوفرة، أو أن الكهرباء غير موجودة لتشغيل الثلاجات الخاصة بحفظها".

وتضيف: "أشعر بالخوف كل يوم. أسمع عن أمراض عادت للظهور، عن أطفال أصيبوا بالحمى الشديدة أو الطفح الجلدي، وأسأل نفسي: ماذا لو أصيب محمد؟ كيف سأُنقذه؟".

في بيئة يسودها الاكتظاظ وسوء الصرف الصحي، ومع غياب شبه كامل لبرامج التطعيم، يصبح طفل في عمر محمد مشروع إصابة مؤجلة. تقول والدته: "أنا لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن يحصل ابني على حقه الطبيعي في اللقاحات، أن يعيش مثل باقي أطفال العالم، دون خوف من مرض يمكن الوقاية منه".

تتوقف قليلًا، تنظر إلى طفلها النائم على حجرها، ثم تهمس: "أخشى أن أكبر وأنا ألوم نفسي لأنني لم أستطع حمايته، رغم أنني فعلت كل ما أستطيع".

في غزة، حيث تُولد المخاطر مع كل طفل جديد، لا يبدو غياب اللقاحات مسألة صحية فحسب، بل حُكمًا مؤجلًا بالخطر، يُثقل كاهل أمهات لا يملكن سوى القلق والدعاء.

لم يعد نقص اللقاحات في قطاع غزة مسألة توريد فقط، بل نتيجة مباشرة لانهيار منظومة كاملة كانت تقوم على سلاسل تبريد دقيقة لا تحتمل الانقطاع. فاللقاحات تحتاج إلى درجات حرارة ثابتة للحفاظ على فعاليتها، وهو أمر بات شبه مستحيل في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء، وشح الوقود اللازم لتشغيل المولدات. ومع تعطل الثلاجات الطبية في كثير من المراكز الصحية، تُفقد كميات من اللقاحات أو يُمنع توزيعها أساسًا خوفًا من فقدان صلاحيتها، ما يترك آلاف الأطفال خارج أي برنامج تطعيم منتظم.

إلى جانب ذلك، أدى القصف المتكرر إلى إغلاق أو تدمير عدد كبير من مراكز الرعاية الصحية الأولية التي كانت تشكل خط الدفاع الأول في برامج التحصين. بعض هذه المراكز خرجت عن الخدمة بالكامل بعد تدمير مبانيها، وأخرى تعمل بشكل جزئي داخل مرافق بديلة تفتقر إلى التجهيزات الأساسية.

ومع تقلص عدد المراكز العاملة، وازدياد أعداد النازحين، بات الوصول إلى خدمات التطعيم أكثر صعوبة، خاصة للعائلات التي تعيش في المخيمات، حيث تتحول المسافات القصيرة إلى عوائق حقيقية أمام حماية الأطفال من أمراض يمكن الوقاية منها.

واقع قاسٍ

تجلس أم ماسة العامودي أمام خيمتها المهترئة في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تضم طفلتها ذات العامين إلى صدرها كأنها تحاول حمايتها من كل ما يحيط بهما. منذ ولادة ماسة، لم تتوقف الأم عن محاولة إيصالها إلى مراكز الرعاية الصحية لتلقي اللقاحات الأساسية، لكنها في كل مرة تصطدم بواقع أقسى من قدرتها على الاحتمال.

تقول الأم لـ"فلسطين": "في كل مرة أسمع عن يوم تطعيم، أجهز نفسي وطفلتي، ثم تبدأ المخاوف. الطريق خطر ومحاط بالمنازل الآيلة للسقوط، ولا توجد مواصلات تقلنا إلى العيادات. أعود أدراجي وأنا أشعر أنني أترك ابنتي مكشوفة للخطر".

تشرح الأم أن الخوف بات جزءا من القرار اليومي، مضيفة: "أحيانا أقول لنفسي: هل أذهب وأخاطر بحياتنا في الطريق، أم أبقى وأخاطر بصحة طفلتي؟ كلا الخيارين مؤلمان". وتؤكد أن كثيرا من الأمهات في مركز الإيواء يشاركنها هذا التردد القاسي، خاصة بعد أن تعرضت طرق قريبة من المخيم لقصف سابق، ما جعل مجرد الخروج رحلة محفوفة بالمجهول.

لكن الخطر لا يكمن فقط في صعوبة الوصول إلى المراكز الصحية، بل يطارد الطفلة داخل محيط الخيمة نفسها. تشير الأم بيدها إلى برك المياه الراكدة المحيطة بالخيام، وتقول: "مياه الصرف الصحي تحيط بنا من كل جانب. أحيانا تختلط بمياه المطر، وتفوح منها روائح خانقة. أخشى أن تزحف الأمراض إلى أطفالي قبل أن نتمكن من حمايتهم باللقاحات".

وتضيف أن القمامة تتراكم منذ أيام دون أن تُجمع، في ظل عجز البلديات، ما يحول مركز الإيواء إلى بيئة خصبة لتكاثر الحشرات والأمراض.

وتتوقف قليلا قبل أن تتابع بصوت منخفض: "ابنتي تنام على أرض باردة، تأكل القليل مما يتوفر لنا من طعام. سوء التغذية واضح على وجهها وجسدها. كيف لطفلة ضعيفة أن تقاوم مرضا خطيرا إن أصابها؟". تقول الأم إنها تراقب حرارة طفلتها باستمرار، وتفزع مع كل سعال أو ارتفاع طفيف في درجة الحرارة، خوفا من أن يكون ذلك بداية مرض لا تملك له علاجا.

ورغم كل هذه المخاطر، لم تفقد الأم الأمل بالكامل. تؤكد أنها لا تزال تحاول، وتسأل عن أي عيادة قريبة، أو حملة تطعيم متنقلة قد تصل إلى المخيم. "لا أطلب المستحيل"، تقول بنبرة تختلط فيها الرجاء بالانكسار، "أريد فقط أن تحصل طفلتي على حقها في لقاح يحميها. أريد أن أنام وأنا مطمئنة أنني لم أتركها فريسة لمرض كان يمكن منعه".

في مركز الإيواء هذا، كما في عشرات المراكز الأخرى في غزة، تتحول الأمومة إلى معركة يومية ضد الخوف، والفقر، والمرض، بينما يبقى اللقاح حلما مؤجلا، تنتظره أمهات يعرفن أن الوقت ليس في صالح أطفالهن.

تحذيرات طبية

في عيادة "أطباء العالم – فرنسا" داخل معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة، يحذر طبيب الرعاية الأولية سامر محسن من أن غياب اللقاحات الأساسية لا يعني فقط تأخر جرعات، بل عودة حقيقية لأمراض كان يُفترض أنها اختفت منذ عقود.

يقول محسن لـ"فلسطين": "نحن لا نتحدث عن خطر نظري، بل عن أمراض بدأت تعود فعليا إلى الواجهة، مثل الحصبة، وشلل الأطفال، والسعال الديكي، والدفتيريا. هذه أمراض يمكن الوقاية منها بالكامل عبر التطعيم، لكنها اليوم تهدد حياة آلاف الأطفال في غزة".

ويوضح أن الأطفال دون سن الخامسة هم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة، مضيفا: "جهاز المناعة لدى الطفل في هذا العمر غير مكتمل، وغياب اللقاحات يجعله مكشوفا تماما أمام فيروسات وبكتيريا قد تؤدي إلى مضاعفات دائمة أو إلى الوفاة، خاصة في حالات مثل شلل الأطفال الذي قد يترك إعاقة مدى الحياة، أو الدفتيريا التي قد تؤدي إلى فشل تنفسي".

ويشير محسن إلى أن الكارثة تتضاعف بفعل الظروف المعيشية القاسية، قائلا: "سوء التغذية المنتشر بين الأطفال، إلى جانب البرد القارس والرطوبة داخل الخيام ومراكز الإيواء المكتظة، يضعف المناعة بشكل كبير، ويجعل أي إصابة بسيطة أكثر شدة وخطورة. الطفل الذي يعاني من نقص غذائي ويعيش في بيئة باردة ورطبة، تكون فرص نجاته أقل بكثير إذا أصيب بمرض كان يمكن منعه بلقاح".

ويختم حديثه بالتحذير من أن استمرار هذا الوضع ينذر بتفشيات واسعة يصعب السيطرة عليها، مؤكدا أن "غياب التطعيم اليوم يعني أننا قد نواجه أوبئة غدا، في قطاع صحي منهك لا يملك القدرة على الاستجابة".

اخبار ذات صلة