أكد الخبير العراقي الأستاذ الدكتور نوري الهاشمي أن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم هو محاولات نزع طابعها الدولي والقانوني وتحويلها إلى مسألة إدارة أزمات، مشددا على أن هذا التحول يخدم إسرائيل بشكل مباشر لأنه يخرج الصراع من إطاره السيادي ويعيد تعريفه بكونه حالة إنسانية قابلة للتطويع.
ويرى الهاشمي في مقابلة مع "فلسطين أون لاين"، أنه لا يمكن فصل أي تحليل سياسي أو استراتيجي عن الإنسان الفلسطيني وحقه غير القابل للتصرف في الحرية والسيادة، ومن هذا المنطلق يرفض منذ البداية مقاربة غزة كملف إنساني أو إداري ويصر على وضعها في سياقها الصحيح بوصفها قضية تحرر وطني ذات أبعاد قانونية دولية.
غزة بين القضية الدولية ومحاولات الاختزال الإداري
ووصف ما يسمى مجلس السلام لغزة بأنه جزء من عملية إعادة هندسة الصراع لا مبادرة سلام، مشددا على أن التسمية في نظره مضللة والجوهر سياسي أمني بامتياز.
وأشار إلى أن الجهات المطروحة لقيادة هذا المجلس ليست قوى تحرير أو أطرافا محايدة بل فاعلون دوليون ارتبط تاريخهم بإدارة الصراعات لا بحلها، لذلك يصف المجلس المقترح بأنه مجلس إخضاع سياسي هدفه فرض نتائج العجز العسكري عبر أدوات ناعمة.
ونبه إلى أن غزة في هذا النموذج لا تُعامل ككيان مرشح للدولة حتى شكليا بل كوحدة وظيفية تدار من الخارج بلا سيادة وبلا تمثيل وطني وبلا أفق سياسي.
الدولة المُدارة: من العراق إلى غزة
ويستحضر الخبير التجربة العراقية بعد عام 2003 بوصفها نموذجا مركزيا لفهم ما يخطط لغزة، مبينا أنه في العراق لم يكن الاحتلال مجرد حدث عسكري بل عملية سياسية مكتملة بدأت قبل الغزو واستكملت بإنتاج نخب سياسية مصنعة تستمد شرعيتها من الخارج لا من المجتمع، وهذه النخب كانت عاجزة ذاتيا ما جعلها رهينة التمويل والحماية والاعتراف الدولي.
وأوضح أنه في هذا النموذج جرى تفكيك القرار الأمني وربطه مباشرة بالإرادة الخارجية كما جرى ربط الاقتصاد بمنظومة المانحين والدولار والمؤسسات المالية الدولية، مبينا أن النتيجة دولة قائمة شكليا لكنها منزوعة السيادة فعليا.
وحذر الهاشمي من أن تكرار هذا المسار في غزة سيقود إلى النتيجة ذاتها مع فارق أن غزة قد تحرم حتى من قشرة الدولة التي أبقيت في العراق.
نخب بلا جذور وشرعية مستوردة
من أخطر الدروس العراقية، وفق الخبير إنتاج كيانات سياسية بلا قواعد اجتماعية، هذه الكيانات جرى تضخيم حضورها بالقانون والتمويل والإعلام لا بالتمثيل الشعبي، وتحولت العملية السياسية إلى آلية لإعادة تدوير نخب مرتبطة بالخارج بينما جرى تفريغ الديمقراطية من مضمونها.
وفي الحالة الفلسطينية يرى أن القبول بأي كيانات إدارية أو سياسية تفرض من الخارج وتحمل وظائف أمنية قبل أي مضمون وطني سيقود حتما إلى فقدان الإرادة الوطنية، منبها إلى أن التسميات قد تكون جذابة مثل الاستقرار أو الانتقال أو إعادة الإعمار لكنها تخفي مسارا تفكيكيا طويل الأمد.
تفكيك الحقل الوطني
ويشير إلى أن مشروع مجلس السلام لغزة لا يتوقف عند إنتاج مؤسسات ضعيفة بل يتجه نحو إعادة هندسة الحقل السياسي الفلسطيني ذاته، مبينا أن الهدف هو تجاوز منظومات التمثيل التاريخية واستبدالها بهياكل تقنية إدارية منزوعـة الطابع السياسي.
ويذهب إلى أن هذا التحول ليس محايدا بل أداة لتفكيك الفكرة الوطنية الفلسطينية، مبينا أنه عندما تختزل القضية في إدارة الخدمات وتفصل المؤسسات عن بعدها التمثيلي يصبح تفريغ القرار الوطني نتيجة حتمية.
ورأى أن خطورة المشروع تكمن في ما يسعى إلى تفكيكه أكثر مما قد ينتجه من هياكل شكلية.
الأمن مدخل لإعادة تعريف المقاومة
ويرى أي ترتيبات أمنية في ظل الاحتلال ليست شأنا داخليا؛ فالطرف غير المعلن فيها هو الاحتلال نفسه، مشددا على أن إدخال الأمن في صلب أي تسوية يعني نقل الصراع من مواجهة الاحتلال إلى إدارة المجتمع الواقع تحت السيطرة.
كما في العراق يراد للأمن في غزة – وفق الخبير العراقي- أن يتحول إلى أداة لإعادة تعريف المقاومة لا بوصفها حقا مشروعا بل تهديدا للاستقرار، منبها إلى أن الاستهداف لا يقتصر على السلاح بل يشمل المعنى السياسي للمقاومة وتحويلها إلى فعل معزول ومجرم قانونيا واجتماعيا.
كيان أمني مراقب لا دولة سيادية
بمقارنة التجربتين العراقية واللبنانية، يرى الخبير أن النموذج المطروح لغزة يجمع بين أسوأ ما فيهما، مشيرا إلى تفكيك الإرادة السيادية كما في العراق مع فرض رقابة اقتصادية ومالية خانقة كما في لبنان، مبينا أنه في هذا النموذج تدار الحدود والمعابر والموارد عبر منظومة رقابة متعددة الأطراف.
وأشار إلى أن المقاومة تبقى قائمة نظريا لكنها محاصرة عمليا ضمن شبكة قيود تجعل فعلها مكلفا ومعزولا، مؤكدا أنه لا سلام حقيقي ينتج عن هذا النموذج بل حالة استنزاف سياسي واجتماعي دائم وتثبيت غير مباشر للاحتلال.
وينتقد الخبير بشدة خطاب إعادة الإعمار، فما يقدم كاستجابة إنسانية يتحول في الواقع إلى أداة ضبط سياسي.
وأشار إلى أن التجربة العراقية أثبتت كيف استخدم الإعمار لابتزاز القرار السيادي وربط الاحتياجات الأساسية بالشروط الأمنية والاقتصادية.
ورأى أنه في غزة يعاد إنتاج السيناريو بصيغة أشد قسوة، فإعمار مقابل نزع إرادة ومساعدات مقابل صمت، مشددا على أن الإعمار المشروط لا يعيد الحياة السياسية بل يعيد إنتاج التبعية ويحوّل الكارثة إلى أداة إدارة دائمة.
الإعمار بلا سيادة: انقلاب قانوني وأخلاقي
وأكد أنه من منظور القانون الدولي يشكل ربط الإعمار بالشروط السياسية والأمنية انقلابا على مسؤولية الاحتلال عن الأضرار التي ألحقها، ما يعني أن الجريمة تتحول إلى فرصة ابتزاز وُطلب من الضحية تعديل سلوكها مقابل حق إعادة البناء.
الأخطر – وفق الخبير العراقي - هو تطبيع فكرة أن الحقوق الوطنية قابلة للاستبدال بالاستقرار وأن التحرر يمكن تأجيله بلا سقف زمني.
ويرى الخبير أن غزة اليوم ساحة اختبار لإدارة الهيمنة الأميركية في سياق دولي متصدع، منبها إلى أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض نماذجها بسهولة كما في السابق.
ووفق تقديره فإن نجاح النموذج المُدار في غزة سيُقرأ دوليا كمؤشر على استمرار هذه القدرة وفشله سيعزز قناعة القوى الصاعدة بأن أدوات الهيمنة لم تعد تنتج استقرارا.
وفي هذا الصدد يرى أن غزة هنا ليست ساحة محلية بل عقدة اختبار في صراع عالمي على شكل النظام الدولي المقبل.
دروس العراق: ما الذي كان يمكن تفاديه
يؤكد الخبير أن الدولة المُدارة لم تكن قدرا محتوما في العراق، بل كان يمكن تفاديها ببناء جبهة وطنية عابرة للهويات ورفض خصخصة السيادة والتمسك بديمقراطية حقيقية تنتج القرار من الداخل.
وبالنسبة للفلسطينيين يرى أن أي قبول بإدارة خارجية مهما كانت الذرائع يشكل مسارا انتحاريا للقرار الوطني.
ويشدد على أن المقاومة ليست عسكرية فقط، فالسلاح بلا سياق سياسي مستقل قد يتحول إلى عبء، والسياسة بلا قدرة ردع تتحول إلى استسلام مقنع، وفق تعبيره.
ويؤكد أن المعركة الحقيقية هي بناء توازن بين الحق في المقاومة وبناء مؤسسات قادرة على إنتاج قرار وطني مستقل.
سيناريو السنوات المقبلة
يتوقع أنه إذا فرض المجلس خلال خمس إلى عشر سنوات استقرارا أمنيا هشا واقتصادا تابعا قائما على الإغاثة المشروطة وتفككا اجتماعيا تدريجيا مع احتمالات تهجير وانفجارات دورية، مشددا على أن هذا ليس سلاما بل إدارة أزمة طويلة الأمد.
وأشار إلى أن واشنطن وتل أبيب تراهنا على إنهاك الفلسطينيين سياسيا واجتماعيا، لكن المجتمع الفلسطيني – وفق تقديره- يمتلك وعيا متراكما وتجربة طويلة في الصمود تجعل هذا الرهان محفوفا بالمخاطر.
ويؤمن أن قدرة الفلسطينيين على التعبئة تبقى عاملا مفتوحا قد يفشل هذا المسار رغم قسوته.

