فلسطين أون لاين

نور شمس خارج الخريطة

تقرير عام من النزوح القسري يطحن 12 ألف إنسان تحت الفقر والهدم

...
عام كامل على النزوح القسري لأهالي مخيم نور شمس جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل
نور شمس-غزة/ فاطمة العويني

مع ساعات الفجر الأولى، يغادر يوسف فنادقة منزله المستأجر في مدينة طولكرم متجهًا إلى عمله أجيرًا في أحد المحال التجارية. اثنتا عشرة ساعة يوميًا يقضيها بحثًا عن “يومية” بالكاد تسد جزءًا من إيجار منزل لم يكن يومًا بيته. فمنذ عامين، أُجبر فنادقة على مغادرة منزله في مخيم نور شمس قسرًا، ليبدأ رحلة نزوح لم تنتهِ فصولها بعد.

فنادقـة (53 عامًا) لا يروي حكاية فرد، بل يلخص مأساة مخيم كامل. كان واحدًا من نحو ثلاثين عائلة هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منازلها في المرحلة الأولى من العدوان على المخيم، بزعم وجود أسرى وشهداء وجرحى بين أبنائه. واليوم، وبعد مرور عام على تهجير سكان المخيم قسرًا، بات المشهد أكثر قسوة واتساعًا، مع تدمير واسع طال الحجر والبشر معًا.

ويشغل فنادقة منصب القائم بأعمال رئيس اللجنة الشعبية لمخيم نور شمس، وهو والد لأسيرين، ما دفع السلطة الفلسطينية إلى إحالته للتقاعد المبكر من قوى الأمن، ليجد نفسه مجبرًا على العمل كأجير لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. يقول: “أتقاضى 1400 شيكل شهريًا، بينما يتجاوز إيجار المنزل هذا المبلغ. أعمل لساعات طويلة لأحصل على مئة شيكل يوميًا، لا يبقى منها بعد المواصلات والطعام سوى سبعين شيكلًا، نحاول بها تغطية الاحتياجات الأساسية”.

مخيم يُمحى وناس بلا مأوى

لم يعد مخيم نور شمس كما كان. فبحسب فنادقة، فإن المخيم “شبه مدمر بالكامل”، بعد أن دمرت قوات الاحتلال البنية التحتية من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. ويضيف: “هُدم 350 بيتًا بشكل كامل، يضم كل منها ثلاثة طوابق على الأقل، إضافة إلى الهدم الجزئي لـ1020 منزلًا، وإحراق نحو 900 بيت”.

هذا الدمار الواسع دفع نحو 12,500 نسمة، هم إجمالي سكان المخيم، إلى النزوح في قرى ومدينة طولكرم، حيث يعيشون أوضاعًا اقتصادية بالغة الصعوبة، خاصة مع تعطّل الغالبية عن العمل بعد منع إسرائيل عمال الضفة الغربية من العمل في الداخل المحتل.

6028221019711015688.jpg

القائم بأعمال رئيس اللجنة الشعبية لمخيم نور شمس، يوسف فنادقة
 

ويشير فنادقة إلى أن معظم العائلات النازحة تعيش في منازل مستأجرة وسط ارتفاع حاد في الإيجارات، إذ لا يقل الإيجار الشهري عن 1500 شيكل، فضلًا عن تكاليف الكهرباء والمياه والطعام، في ظل غياب شبه كامل للمساعدات الرسمية.

ويقول: “لم يتسلم النازحون سوى دفعة مالية واحدة بقيمة 3000 شيكل، إلى جانب مواد تموينية تُصرف كل ثلاثة أشهر. هذه المساعدات لا توازي حجم الكارثة، في ظل فقدان البيوت ومصادر الرزق، واضطرار الناس للعيش بالإيجار”.

ولا تبدو العودة إلى المخيم قريبة، إذ ما تزال قوات الاحتلال متمركزة داخله، بعد أن شقّت طرقًا وعبّدتها فوق أنقاض المنازل. ويتابع فنادقة: “توقف الهدم لفترة قصيرة، ثم عاد الاحتلال ليهدم 25 مبنى دفعة واحدة قبل نحو شهر، كما فجّر أبواب المحال التجارية، التي تحولت إلى أماكن مهجورة تنبشها الكلاب الضالة والخنازير”.

التعليم يتعثر… والنساء يدفعن الثمن

وتفاقمت معاناة النازحين مع قرار وكالة “الأونروا” وقف تسيير الحافلات التي كانت تنقل الطلبة النازحين إلى مدارسهم، بحجة عدم توفر ميزانية. هذا القرار أدى إلى انقطاع أعداد كبيرة من الطلبة عن التعليم، لعجز ذويهم عن توفير نحو 40 شيكلًا يوميًا للمواصلات والمصروف.

ويختم فنادقة حديثه بمرارة: “الأمر المعيب، والأكثر قسوة، أن أصحاب المصالح في طولكرم وضواحيها يرفضون تشغيل أي رب أسرة لديه أسير أو شهيد أو جريح، ما اضطر هذه العائلات لإرسال نسائها للعمل داخل الخط الأخضر، حيث تغيب بعضهن عن أسرهن ثلاثة أو أربعة أشهر متواصلة”.

في نور شمس، لا يبدو النزوح حالة طارئة، بل واقعًا طويل الأمد، يُعيد تشكيل حياة آلاف العائلات، بينما يُمحى المخيم تدريجيًا من الجغرافيا… ومن الذاكرة.

6026099524910123903.jpg


 

المصدر / فلسطين أون لاين