في مشهد يفوق الوصف في دلالته على الاغتراب الوجودي للإنسانية المعاصرة، أقدمت آليات الاحتلال الصهيوني بإشراف الوزير المتطرف إيتمار بن غفير على هدم وتجريف منشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة. ليس هذا الفعل مجرد اعتداء مادي على حجارة وبنيان، بل هو عملية تطهير أنطولوجي، محاولة لمحو الذاكرة الجماعية لشعب بكامله، وإعادة صياغة الواقع بما يتناقض مع الكينونة التاريخية للاجئ الفلسطيني.
منذ عقود، يعمل الكيان الصهيوني على تفكيك هذه المؤسسة الأممية بمنهجية ديالكتيكية معكوسة: يبدأ بالتشويه الإيديولوجي، يتهمها بالتواطؤ مع "الإرهاب" في حملات دعائية منظمة، ثم ينتقل إلى قطع التمويل عبر ضغوط اللوبيات الغربية الخاضعة لـالهيمنة الإمبريالية، ويتوج الأمر بسن قوانين داخلية في الكنيست تحظر نشاطها في "إسرائيل" والقدس. اليوم، نرى التحول من النظرية إلى الممارسة الوحشية: اقتحام المقر، مصادرة الأجهزة، إجبار العاملين على الخروج، ثم الهدم تحت ستار الجيش والشرطة. بن غفير يصف الحدث بـ"التاريخي"، في إشارة صريحة إلى أن هذا يندرج ضمن مشروع أيديولوجي يسعى إلى فرض سيادة يهودية مطلقة، ترفض أي حضور لمؤسسة دولية تذكّر بـالنكبة وتديم الوعي بالمظلومية التاريخية.
في تحليل فلسفي سياسي أعمق، تكشف تصفية الأونروا عن شرط أنطولوجي لاستكمال مشروع الترانسفير الصهيوني. فالأونروا ليست مجرد جهاز إغاثي إنها الكيان المؤسسي الذي يحفظ هوية اللاجئ عبر الأجيال، خلافاً لتعريف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الذي يقتصر على جيل واحد وفق منطق الاندماج القسري. إلغاؤها يعني إبادة رمزية للاجئ ككيان قانوني وسياسي، أي نفي وجوده الأنطولوجي، وبالتالي إسقاط حق العودة من دائرة الإمكان التاريخي، ممهداً الطريق لـالتوطين القسري في الشتات أو الاستيلاء النهائي على ما تبقى من الأرض الفلسطينية. هنا تتجلى الديالكتيك الاستعماري: الاحتلال يحول الضحية إلى "مشكلة ديموغرافية" يجب حلها، فيما يُعاد إنتاج الواقع باسم الأمن القومي أو الحق التاريخي المزعوم.
هذا السلوك يمثل ازدراءاً وجودياً للأمم المتحدة ومؤسساتها، إذ يُهدر قرارات الجمعية العامة المتكررة بتجديد ولاية الأونروا، ويُداس القانون الدولي الإنساني، وتُنتهك حصانة الأمم المتحدة علناً. إنه تحدٍّ ميتافيزيقي للنظام الدولي القائم على مبدأ الشرعية، يؤكد أن الكيان الصهيوني يعتمد على سياسة الأمر الواقع، مدعوماً بـالغطاء الإمبريالي ، ولا يخشى العواقب ما دام الرد الدولي يظل في دائرة الخطاب الأخلاقي الجوفاء.
إن ما يجري اليوم يفرض على العالم العربي والإسلامي التزاماً وجودياً لا يقبل التأجيل: موقف حاسم يتجاوز الشجب إلى فعل مقاوم يفرض عقوبات، يُفعّل آليات المقاطعة الشاملة، ويدعم المقاومة بكل أشكالها. فالأونروا ليست قضية إغاثية فحسب؛ إنها جزء من جوهر الوجود الفلسطيني. تصفيتها تعني تصفية القضية في أصلها الأنطولوجي. ومن يصمت اليوم، يُسهم غداً في طمس الوعي التاريخي بحق العودة، ويُشارك في اغتيال الهوية الجماعية لشعب يرفض أن يُختزل إلى مجرد "لاجئين" ينتظرون الاندثار.