ما يجري في غزه لم يعد مجرد عمليات قتل، بل بات تحولا في منطق القتل نفسه، فحين يقدم الاحتلال على القتل على النية، فلا يعود فعل القتل بحاجة الى إدانة او قرائن ظرفية، لان النية هنا ليست حاله نفسيه، بل عقيده قتل، عقيدة تقول إن كل ما يتحرك على هذه الأرض هو مشروع هدف مشروع، والاشتباه هناك كاف ليصبح حكما بالإعدام، وبهذا المعنى يصبح القتل طريقه لادارة الفلسطينيين، لا نتيجة لمواجهة عسكرية.
قتل ثلاثة صحفيين الاربعاء الماضي بذريعة اطلاق مسيرة لمراقبه قوات جيش الاحتلال يكشف جوهر هذا المنطق، فالمسألة ليست في صحة الادعاء من عدمها، بل في المعادلة التي يجري تثبيتها، الا وهي ان فعل المشاهدة او الرؤية او التوثيق ذاته صار جريمة، الصحفي الذي يوثق يتحول الى تهديد، والعدسة معه تصبح سلاحا، والسماء نفسها باتت فضاء محرما على الرؤية والتوثيق، وهكذا لا يقتل الجسد فقط، بل تقتل امكانيه الرؤية والمعرفة، ويجري تحطيم الرابط بين ما يجري على الأرض من جريمة مستمرة لا تتوقف والعالم الخارجي، وحين تمنع الرؤية يصبح العنف والقتل اكثر تحررا من القيود، لان ما لا يرى يسهل تكراره مرارا.
هذا السلوك ليس جديدا في تاريخ احتلال طويل، حيث يجري ربط الفلسطيني بالمخاطر دائما، بل وتجريده من صفتهم المدنية، لكن الجديد هو درجة الصراحة التي يجري بها هذا التجريد، وتوسيع تعريف الهدف ليشمل كلا البنية الاجتماعية والرمزية في ان واحد، فالبيوت تقتل لأنها الحاضنة، والمدارس تقتل لأنها الذاكرة، والصحفي يقتل لأنه الشاهد، وكل ما قد ينقل الصراع من مواجهة على الارض الى صراع على المعني ذاته، وعلى من يملك حق تسمية ما يحدث.
جيش الاحتلال اليوم، وخلال سنوات خلت يسوق هذا المنطق بلغة ادارة المخاطر او ما يسمى بالضربات الوقائية، وخطابه يبدو كما لو كان تقنيا ومحايدا، لكنه يخفي خيارا سياسيا عميقا، ومنطق اجرامي، يتم من خلاله تحويل كل مجال حياة الى ساحة امنية، وحين تصبح المدينة معسكرا مفتوحا، يختفي الفرق بين المدني والمقاتل، وهذا التحول يجد غطاء دوليا، حيث تختزل القضية في حق دولة الاحتلال بالأمن، بينما يجري اسكات اي نقاش حول طبيعة النظام العنصري الذي ينتج هذا الخطر باستمرار.
اثار هذا المسار تتجاوز اللحظة الراهنة، فشعب كامل يتعرض لتدمير مادي ومعنوي، وقد فقد ثقته بالقانون الدولي وفي امكانية تحقيق العدالة عبره، الامر الذي ولد اشكالا جديده من السياسة تقوم على الغضب والقطيعة مع اي وعود دولية، فتاريخ الصراعات يعلن صراحة ان سحق الفضاء المدني لا ينهي حركات المقاومة، بل على العكس تماما، ينقلها الى مستويات اقل قابلية للضبط، بل واكثر جذرية في نظرتها للعالم، وحينها يتحول الصراع الى صراع على الوجود.
في القدس والضفة الغربية يتكامل هذا المشهد عبر الاستيطان والاقتحامات والقتل والاعتقالات وتفكيك الحيز العام الفلسطيني، والهدف ليس فقط السيطرة على الارض، بل اعادة تشكيل الزمن، بحيث يصبح المستقبل نفسه غير متخيل ولا قابلا للتنبؤ، وحين يعيش الناس في حاله طوارئ دائمة، عندها تصبح السياسة من قبيل ما يسمى بالدولة والسيادة والحقوق السياسية كلها ترفا.
مواجهة هذا الواقع لا تبدأ من بيانات الادانة، بل من اعادة الاعتبار للحق بالرؤية والتوثيق والشهادة كفعل مقاوم، ومن بناء مسارات قانونية واعلامية متراكمة ترفع كلفة الجريمة حتى لو طال الزمن، كما تتطلب وحده فلسطينية تعيد تعريف الاولويات حول حماية الفلسطيني، لا مجرد ادارة الانقسام، اما اقليميا ودوليا فلا بد من ربط اي تعاون مع دولة الاحتلال بسقوف واضحة تتعلق بحماية المدنيين وحرمة المساس بالعمل الصحفي.
القتل على النية ليس مجرد انزلاقا من قبل الاحتلال، بل هو في حقيقة الامر خيارا "واعيا"، والخطر الحقيقي ليس فقط في عدد الشهداء، بل في تطبيع فكرة ان الصحافة جريمة، التوثيق تهديد، وحين يقبل العالم بذلك يكون قد فتح الباب لمنطق يمكن ان يمتد اليه هو ايضا يوما ما.