بملابسها الرقيقة، ترتجف مبروكة حسنة (70 عاما) في ميناء غزة البحري دون أن تقوى على مواجهة موجة الصقيع التي فاقمت معاناتها في خيمة نزوحها القسري المهترئة.
ومع تدمير الاحتلال بيتها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة في خضم حرب الإبادة الجماعية، لا تجد مبروكة ومعها مئات الآلاف من النازحين حتى كرفانا للاحتماء من البرد، في وقت يمنع الاحتلال إدخال مواد الإيواء وإعادة الإعمار.
"والله ميتين من السقعة والبرد الفظيع"، تفرك مبروكة يديها محاولة الحصول على شيء من الدفء، ملخصة بهذه العبارة واقعها المعيشي، لصحيفة "فلسطين".
وتضيف: "بعاني كتير من البرد، ومعي ضغط وسكر مزمن.. البرد قتلنا قتل، إيش بدنا نعمل؟ مش قادرين نسيطر ع البرد".
وتشير إلى انعدام الرعاية الصحية: "بنطلب من العالم يساعدونا.. والله ما في أدوية، بروح بيقولوا فش دوا، وأحيانا بس بلاقي"، مبينة أن تكلفة شريط واحد من الأكامول تبلغ 10 شواقل، في ظل انعدام مصادر الدخل.
وعن ظروف خيمتها وانعدام وسائل التدفئة، تقول بنبرة مرتعشة: "فش فرشات عندي، وبس حرام واحد، وبشتغل على الحطب، مفش حتى فرش غاز".
وتنتاب مبروكة أعراض البرد باستمرار، لاسيما القشعريرة بحكم تقدمها في السن.
مشهد قاس
في خيمة أخرى داخل الميناء، تعيش نعمة شاهين (32 عامًا) مع زوجها وأطفالها الخمسة، في واحدة من محطات النزوح القسري.
بينما تجلس على حجر ملقى على الأرض، تقول نعمة لصحيفة "فلسطين": "حاولنا ننصب خيمة في أي مكان ثاني، ما لقيناش مجال إلا هنا، انجبرنا على الإشي هادا عشان ألاقي مكان لولادي".
وفي هذا المكان، لا تسلم نعمة وأسرتها من خطر محدق يهدد حياتهم، إذ كثيرا ما تطلق طرادات الاحتلال النار في المنطقة.
وعن أولى ليالي الصقيع، تروي نعمة مشهدا قاسيا: "صار سقعة ورياح شديدة وعواصف، كنت نايمة انا وزوجي واولادي، الساعة 2 الفجر، لقينا الخيمة واقعة علينا".
وفي ذلك الوقت، شرعت نعمة في البحث عن أطفالها، وبينما انتشلت ابنتين، استغرقت وقتا من الحسرة والقهر للوصول إلى بقيتهم، في أجواء من الظلام.
تضيف بصوت يختلط فيه الخوف بالعجز: "صارت كل حراماتنا مية، وفراشنا مية"، مشيرة إلى أنها نزحت قسرا من جباليا شمال قطاع غزة دون أن تتمكن من اصطحاب أي من أمتعتها أو ملابسها.
وتوضح أنها اضطرت لشراء أغطية بسيطة، في محاولة لتدفئة الأطفال، لكنها لا تترك أثرا.
وتؤكد نعمة أن الخيام ليست صالحة للحياة الآدمية، مبينة أنها فشلت في حجب الحر في الصيف والبرد والمطر في الشتاء.
وتطالب لجنة إدارة القطاع المشكلة حديثا، بالشروع في إغاثة وإيواء الأهالي في غزة.
أما الشابة نجلاء الجمالي، فتعيش مع بناتها الخمس وزوجها داخل خيمة تصفها بأنها لا تقي من شيء، في المنطقة ذاتها.
تقول نجلاء لصحيفة "فلسطين": "هنا معاناة، كأننا نأكل الهواء"، في إشارة إلى قوة الرياح، وشدة الصقيع.
وتروي كيف انهارت خيمتها: "خيمتي خربت فوقنا، مالت ووقعت فوق روس البنات، صرت أسحب في بناتي".
وبعد المنخفض الجوي، حاولت ترميم الخيمة بنفسها: "بعد أسبوع رجعنا رفعناها، وصرت أخيط فيها عشان تسترنا ونقعد أنا وياهم فيها".
وتوضح نجلاء أن الاحتياج الإنساني كبير، من الملابس والبطانيات والفراش والكرافانات لحين إعادة الإعمار.
وتشير إلى الوضع الصحي: "بنتي من 20 يوم صدرها تعبان كتير، كحة عندها، كتير عيانين، إشي نهجة، إشي أزمة، هالبرد بيتعب"، مشيرة إلى تعذر حصولها على الأدوية في كثير من الأحيان.
حالة كارثية
من جانبه، يحذر المدير العام لمجمع الشفاء الطبي، د. محمد أبو سلمية، من التداعيات الصحية الخطيرة للصقيع على النازحين.
ويقول أبو سلمية لصحيفة "فلسطين": "حالة كارثية يعيشها النازحون داخل الخيام في هذه الأوقات الصعبة، والأجواء السيبيرية، وانخفاض درجات الحرارة لأقل من 5 درجات مئوية، في ظل انعدام وسائل التدفئة الآمنة والاكتظاظ البشري".
ويشير إلى تأثير ذلك على النازحين لاسيما الفئات الهشة كالأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة، لافتا إلى تسجيل وفيات من الأطفال في الفترات الماضية.
وأمس، أعلن الإسعاف والطوارئ، وفاة رضيع بسبب موجة البرد القارس في منطقة البريج وسط القطاع.
ويوضح أبو سلمية أن أجساد الأطفال لا تحتمل هذه البرودة الكبيرة وليس لديهم مخزون من الدهون لتحميهم من هذا البرد القارس وليس لديهم أيضا ما يحتاجونه من الملابس، بينما خيامهم مهترئة.
ويحذر من تزامن الصقيع مع انتشار الفيروسات: "انخفاض كبير لدرجات الحرارة وانتشار فيروس/متحور الإنفلونزا أو كورونا أو ما شابه يؤدي إلى التهابات رئوية شديدة، تدخلهم أقسام العناية المركزة، وهناك وفيات بالفعل من هؤلاء الأشخاص".
ويختم بالقول: "هذه الأجواء هي الأسوأ على مدار حرب الإبادة على قطاع غزة، على أهلنا في مخيمات النزوح وخصوصا على الأطفال، في ظل انعدام أي مقومات للتدفئة".
ومع استمرار منع الاحتلال الإيواء، يبقى مئات الآلاف من النازحين في غزة معرضين للصقيع والمخاطر الصحية، بلا حل يقيهم من قسوة الشتاء.