تسود في المجتمعات العربية ثقافات غريبة وأكثرها سوءا المرتبطة بتداعيات التغيير أو التدوير في المؤسسات، حيث أنه وبمجرد حدوث التغيير في هيكل المؤسسة سواء كان ذلك ناتج عن ( قرار إداري، أو إنتخابات داخلية، أو ترقية موظف، أو تكليف موظف في مكان تنفيذي مهم)، يبدأ الجسم الجديد في وضع استراتيجية أو سياسات عمل جديدة لا تراعي أي جهد سابق ولا تبني عليه، وربما للاسف تؤدي لهدم جهود وتضحيات سنوات، دون أي إعتبار لمصالح المؤسسة، إنما تكريس لسلطة جديدة نابعة من قرار فرد متسلط، يتحدث بلسان واضح( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).
هذه الثقافات متجذرة وأدت لكوارث وانتكاسات غير عادية، وليت الأمر يقف عند هذا الحد فإن الثقافة السائدة أنه يجب أن يتم إقصاء جزء كبير من الفاعلين في المؤسسة في إطار فهمه أن هذه الخطوة صحية وعملية للسيطرة على المؤسسة وما دام تحقق مصالحه فهي غالبا وفق فهم البعض أنها خطوات (تتصف بالتقديس) وهي وبدون جدال في مصلحة المؤسسة وربما يعتبرها البعض" المتزلف"، بأنها "قرارات ملهمة"، نابعة من شخص استثنائي يتربع على عرش المؤسسة الموقرة.
هذه الأمراض تعصف بالمؤسسات نتيجة أسباب عديدة منها: 1/ الجهل بالعمل الإداري، 2/ وغياب الخبرة الكافية لعمل المؤسسات، 3/ حب الذات وإنكار جهود الاخرين، 4/ الرغبة في الإقصاء، 5/ التفرد والتسلط وقيادة المؤسسة بعقلية الفرد، 6/ الخشية من نجاحات الاخرين، 7/ الرغبة في الظهور على حساب الغير، 8/ غياب جسم رقابي قوي وفعال يحاسب على هذه السياسات، كل هذه الأسباب وأسباب أخرى ساهمت وتساهم في خلق الواقع، الأمر يؤدي لانتشار حالة من الاحباط لدى الكادر المنتج، ويقتل الطموح والابداع، ويساهم في إنهيارات متتالية توقف مسار التطوير، لذلك فإن عمل المؤسسات يراوح مكانه، "بعض البناء ينهار مع مغادرة صاحبه"، كما قالت العرب قديما.
وحتى أكون موضوعي ولا أتجنى على المجموع فإن هناك قلة قليلة حينما تصل (لمواقع تنفيذية) تراكم على الجهد، وتواصل من حيث انتهى الاخرون، ولا تقف عند هذا الحد فإنها تنسب الفضل لاهله، وتنظر بعين الامتنان لمن غابوا عن المؤسسة سواء بسبب ظروف عادية أو غير عادية، وتشيد في كل موقف بجهودهم العظيمة، وذلك في إطار احترام الاخرين والوفاء لهم، وأيضا في سياق احترام أدبيات العمل المؤسسي، وقبل ذلك احترام حقوق الاخرين ومراعاة مشاعرهم وجهودهم.
وفي ضوء هذه الكارثة الادارية فإنني أنصح بما يلي:
1/ تبني معايير إدارية جديدة تفرض إحترام سياسات العمل السائدة، وتراعي تقدير الكوادر التي غابت عن الأجسام الادارية بفعل التغيير العادي أو الطارئ.
2/ المراكمة على الجهد القائم وتجنب شطبه أو نسفه، إنما العمل على تطويره وتجويده.
3/ زرع ثقافة احترام الاخرين وتقدير جهودهم مهما بلغت مستوياتها، سواء كانت متدنية أو متوسطة أو غيره، لأنها تمثل أقصى جهد وصلوا إليه في فترة العطاء.
4/ حتى في حالة التغيير المباشر أمام الكادر الموجود في المؤسسة أن يساهم المدير أو المكلف أو من وجد نفسه في موقع السلطة وتوجيه السياسات أو اتخاذ القرار، أن يساهم في المعالجة بعيد عن لغة التسلط والاستقواء، ويتجنب إهانة العاملين.

