لم تكن لحظة القصف عابرة، كما قد يظن البعض، بل سطّرت خلفها حكاية وجعٍ مفتوحة. ففي لحظةٍ اقتحم الاحتلال الإسرائيلي حياة ندى دون إذن، سلبها وجهها، وأربك أنفاسها، وتركها تقاوم الحياة بألمٍ يفوق عمرها. بين خيمة النزوح وسرير المستشفى، وبين الأمل المؤجَّل والعلاج الغائب، تقف ندى اليوم شاهدًا حيًا على أن الحرب لا تقتل الجميع؛ فبعضهم تُبقيه حيًا ليتذوّق كل أشكال الألم.
في العاشر من أيلول/سبتمبر 2025، كانت ندى تجلس مع شقيقاتها داخل خيمة النزوح في منطقة الشيخ رضوان. ضحكاتهن الخفيفة كانت تحاول تحدّي هدير الحرب، في حين كان الوالدان في الخارج يشعلان النار ويجهّزان طعام الغداء.
يقول والدها عبد الرحمن أرحومة لصحيفة «فلسطين»: «سمعنا صوت قصف إسرائيلي، لم يكن قريبًا للغاية. تبادلتُ مع زوجتي النظرات وقلتُ لها: بعيد… بعيد…». تجاهلوا الصوت، وعادت الشقيقات إلى مزاحهن، لكن الحرب لا تمرّ دائمًا كما نظن؛ شظية واحدة كانت كافية لتقطع الجلسة… وتغيّر المصير.
يسرد عبد الرحمن تلك اللحظة بصوت لا يزال يرتجف: «خرجت شقيقتها الكبرى تركض وتصرخ: يابا الحق ندى… استشهدت». لم يصدّق، مضيفًا: «قلت لها بتخبّصي، ندى كانت تضحك قبل ثوانٍ». ركض، فرأى ابنته ممدّدة، وقد أصابت شظية وجهها بشكل مباشر؛ تهتّك في الفكين والأنف، وتشوه قاسٍ في الملامح، وفقدان كامل للعين اليمنى.
حملها على «تكتوك» ووصل بها إلى مستشفى الشفاء، وهناك تلقّى الجملة التي لا يزال صداها يرنّ في أذنه: «ما في منها أمل… شهيدة». جلس أمامها، ينظر إلى وجهٍ كان يعرفه جميلًا، ويحاول بيدين مرتجفتين أن يعيد ترتيب ملامحه. عدّل منديلها ليغطي شعرها، وفجأة استفرغت ندى، وشعر بأنفاسها. صرخ من أعماقه: «عايشة… بتتنفس!». عاد الأطباء مسرعين، وأُدخلت غرفة العمليات لإجراء عملية إنقاذ حياة.
وبعد اثني عشر يومًا فقط، بدأ إخلاء المستشفى تحسّبًا لأي سيناريو، ونُقلت ندى إلى مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، حيث قضت خمسةً وعشرين يومًا في العناية المركزة. وُضعت لها قصبة هوائية صناعية تساعدها على التنفس، بسبب التهتك والكسور في الأنف. خرجت بعدها لتبدأ رحلة أخرى من الألم؛ أُجريت لها أول عملية لرقعة جلدية للعين من يدها اليمنى، لكنها فشلت بعد ثلاثة أيام وسقطت الرقعة، ثم أُخذت رقعة أخرى من خلف الأذن، وكان لها المصير ذاته.
ويكمل عبد الرحمن: «في المرة الثالثة، أراد الأطباء أخذ الرقعة من جبينها، لكني رفضت. خفت… خفت يزيد التشوّه وما تنجح. ما ضلّ عندي قدرة أشوفها تتألم أكثر». ولا تزال عينها اليمنى تفرز سائلًا أخضر، في إشارة إلى تدهور لا يجد علاجًا.
اليوم، لم يعد لندى أمل في العلاج داخل غزة؛ فالإمكانيات معدومة. وهي بحاجة إلى السفر للعلاج في الخارج، ولديها تحويلتان طبيتان: إحداهما لجراحة الفكين والوجه، والأخرى لزراعة عين بديلة عن التي فقدتها. لكن السفر، مثل الحلم، مؤجّل.
تعيش ندى في خيمتها بالزوايدة، وتعاني الأمرّين؛ لا علاج ولا قدرة على مواصلة حياة طبيعية. يوضح والدها أنها تعيش على المسكنات، ولا تنام إلا قليلًا، ويلاحقها صوت شخيرها الناتج عن تهتك الجيوب الأنفية. كما تراجع نظرها في العين اليسرى كثيرًا، حتى بعد تركيب نظارة طبية. لم تعد قادرة على القراءة أو المشي لمسافات قصيرة، ولم تتمكن من الالتحاق بالنقاط التعليمية لمجاراة زميلاتها، رغم أنها كانت من المتفوّقين دراسيًا.
وبين الألم الذي يطارد جسدها، والخوف الذي يعتصر روحها كلما نظرت إلى نفسها في المرآة، يظل حلم واحد يضيء لها طريقًا مظلمًا: السفر للعلاج.