تعكس أزمة الموازنة الإسرائيلية، في أعقاب حرب الإبادة على قطاع غزة، واحدةً من أخطر المراحل المالية والسياسية في تاريخ دولة الاحتلال؛ إذ تداخلت الأعباء العسكرية الضخمة مع الانقسامات الائتلافية الحادة، لتضع الحكومة أمام اختبار بقاء حقيقي.
فموازنة عام 2025، التي وُصفت بأنها «الأكبر والأسوأ» تاريخيًا، لم تكن مجرد خطة مالية، بل كشفت عن انفجار غير مسبوق في مستويات الإنفاق والعجز والدَّين العام، في حين بات إقرار موازنة عام 2026 شرطًا حاسمًا لتفادي حلّ الكنيست والدخول في نفق الانتخابات المبكرة المظلم.
وفي هذا السياق، أكد الاختصاصي الاقتصادي هيثم دراغمة أن الموازنة العامة تحوّلت من أداة لتنظيم الاقتصاد إلى «مقصلة سياسية»؛ إذ إن فشل الحكومة في إقرارها قبل نهاية مارس من العام المالي يعني، وفق القانون الإسرائيلي، حلّ الكنيست تلقائيًا، ما يضع الائتلاف الحاكم تحت ضغط زمني هائل، ويجعله عرضةً للابتزاز المستمر من أطرافه المتشددة.
وأضاف دراغمة لـ "فلسطين أون لاين" أن تعطيل إقرار الموازنة لا ينعكس على المشهد السياسي فحسب، بل يشلّ الأداء الحكومي بالكامل؛ موضحًا أن العمل وفق «ميزانية الاستمرارية» يقيّد الإنفاق بحدود موازنة العام السابق، وهو ما يترجم فعليًا إلى وقف تمويل أي مشاريع بنية تحتية جديدة، وتجميد التوظيف في القطاع العام، وتأخير مستحقات الموردين، وصولًا إلى تجميد المنح الحيوية للهيئات الاجتماعية والدينية.
ونوّه إلى أن هذا التذبذب المالي المستمر وتأخر الحسم في الموازنة دفع بالفعل وكالات التصنيف العالمية، مثل «ستاندرد آند بورز» و«موديز»، إلى مراجعة نظرتها للاقتصاد الإسرائيلي، مع توقعات بمزيد من الخفض في التصنيف الائتماني.
وأوضح أن هذا التدهور لا يقل خطورةً عن الجبهة العسكرية، إذ يرفع تكلفة الاقتراض الخارجي، ويجعل سدّ العجز عملية باهظة الثمن ترهق الخزينة العامة، التي تعاني أصلًا من نزيف حاد في السيولة وتراكم غير مسبوق في الديون السيادية.
كما أشار دراغمة إلى أن الموازنة أصبحت «ساحة للمقايضة»، حيث تستغل الأحزاب الدينية (الحريديم) حاجة بنيامين نتنياهو للبقاء في السلطة للضغط من أجل زيادة ميزانيات مؤسساتها التعليمية، أو تمرير قوانين تمنح أتباعها إعفاءات من الخدمة العسكرية، الأمر الذي يثير سخطًا واسعًا داخل الشارع الإسرائيلي، ولا سيما في الأوساط الاقتصادية التي تتحمل وحدها عبء الضرائب والخدمة الاحتياطية.
وعلى صعيد الأرقام الصادمة، تُقدَّر التكلفة الإجمالية لحرب الإبادة على غزة، بما تشملُه من تعبئة عسكرية وتعويضات وإعادة إعمار، بما يتراوح بين 34 و50 مليار دولار.
وبحسب دراغمة، قفز إجمالي الإنفاق العام إلى نحو 619 مليار شيكل، خُصص منها للجيش نصيب الأسد، بما يتراوح بين 110 و117 مليار شيكل، أي ما يقارب ضعف ما كان مخططًا له قبل الحرب.
وأدى هذا الاتساع التاريخي في فجوة العجز، التي بلغت فعليًا 8.5% من الناتج المحلي، متجاوزةً جميع التوقعات، إلى انكماش قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة، نتيجة غياب العمالة الفلسطينية.
وحذّر دراغمة من أن هذا المسار يهدد الاستقرار المالي الكلي، ويدفع دولة الاحتلال نحو «عقد ضائع» من النمو الضعيف والدَّين العام المتضخم، الذي ستنعكس كلفة خدمته تقليصًا إجباريًا في ميزانيات الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي لسنوات طويلة قادمة.