الإجابة، كما تكشفها الأبحاث الحديثة، لا تتعلق بقوة فيروس البرد نفسه، بل بكيفية تفاعل خلايا الأنف معه منذ اللحظة الأولى.
عندما يدخل فيروس البرد إلى مجرى الهواء الأنفي، تبدأ الخلايا سباقًا سريعًا للدفاع عن الجسم. فإذا استجابت بإفراز بروتين مناعي يُعرف باسم الإنترفيرون في الوقت المناسب، يتم احتواء الفيروس قبل أن ينتشر، ولا يُصاب إلا عدد قليل من الخلايا، فتكون الأعراض خفيفة وسريعة الزوال. أما إذا تأخر هذا الرد، فإن الفيروس يجد فرصته للانتشار، فتشتعل الاستجابة الالتهابية، ويزداد إفراز المخاط، وتتباطأ حركة الأهداب المسؤولة عن تنظيف الأنف، فتظهر أعراض مزعجة قد تتفاقم إلى سعال وضيق في التنفس.
وباستخدام نماذج دقيقة تحاكي الممرات الهوائية الأنفية خليةً خلية، استطاع الباحثون تتبع ما يحدث داخل الأنف بدقة غير مسبوقة، وفهم كيفية تنسيق الجهاز المناعي لردوده المختلفة. هذا الفهم لا يفسر فقط اختلاف شدة الزكام بين الناس، بل يفتح الباب أمام علاجات مستقبلية لا تستهدف الفيروس مباشرة، بل تعمل على ضبط توقيت وقوة الاستجابة المناعية.
الخلاصة أن نزلة البرد ليست مرضًا بسيطًا كما نعتقد، بل معركة دقيقة تدور في الخفاء داخل أنوفنا، ونتيجتها هي التي تحدد إن كان الزكام سيمر بسلام… أم سيتركك منهكًا لأيام.