قائمة الموقع

التكنوقراط في غزة بين معركة الحكم ومعركة التحرير

2026-01-21T07:28:00+02:00
فلسطين أون لاين

في لحظة تاريخية يتكثّف فيها الصراع على غزة بوصفها عقدة الجغرافيا والسياسة والمقاومة، أصبحت معركة القطاع هي معركة سيادة وإدارة ومصير، فغزة هذه البقعة الصغيرة التي تحوّلت إلى مركز ثقل في معادلات الإقليم، صارت تُحاصر اليوم بمشاريع حكم بديلة، تُسوّق تحت لافتات براقة من قبيل "مجلس السلام" فيما حقيقتها ليست سوى إعادة تدوير للوصاية الدولية على قرار شعب قرر أن يحكم نفسه بنفسه.
وسط هذا المشهد، تبرز لجنة التكنوقراط في غزة بوصفها تعبيراً عن إرادة سياسية وطنية لإدارة الحياة تحت النار، لا تحت الإملاء، ولتنظيم الصمود لا استبداله، فهنا لا يدور الصراع حول من يدير الكهرباء والمياه فقط، بل حول من يمتلك قرار الأرض، ومن يرسم مستقبل ما بعد الحرب: أبناء غزة أم غرف العمليات الغربية.

الهجوم السياسي العنيف الذي شنّه بنيامين نتنياهو على تركيبة اللجنة الإدارية هو اعتراف مبكر بأن الاحتلال خسر معركة التحكم في المشهد الداخلي، وأن غزة التي فشل في كسرها عسكرياً، باتت اليوم تنتزع حقها في إدارة ذاتها سياسياً.

غزة، الجغرافيا التي أربكت الإمبراطوريات

غزة اليوم تُمثّل عقدة الجغرافيا السياسية التي استعصت على الاحتواء، ومركز الثقل المقاوم الذي أربك حسابات الإمبراطوريات المتعاقبة، من الانتداب إلى الاحتلال، ومن مشاريع الوصاية إلى هندسة ما بعد الحرب، هذه المساحة التي لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً تحوّلت إلى ساحة اختبار كبرى لإرادة الشعوب في مواجهة القوة، وإلى مختبر قاسٍ لإعادة تعريف مفاهيم السيادة والشرعية والحق في تقرير المصير.

غزة تُحاصر لأنها عصيّة، وتُستهدف لأنها صلبة بما يكفي لخلخلة توازنات الإقليم المرتبك، فمنذ سنوات تُدار باعتبارها مسألة أمن إقليمي ومفتاح استقرار دولي، ولهذا تكالبت القوى الكبرى على إعادة تشكيل إدارتها، لا لحماية أهلها، إنّما لضبط إيقاعها السياسي.

لكن المفارقة الفادحة أن هذا الاستنفار الدولي لم يتجه نحو وقف المجازر، ولا نحو فتح المعابر، ولا نحو إنقاذ المنظومة الصحية المنهارة، ولا نحو إعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء، إنّما انصبّ على سؤال واحد: من يحكم غزة بعد القصف؟ وكأن حياة الناس مؤجلة، وكرامتهم قابلة للمقايضة، واحتياجاتهم الأساسية مجرد تفصيل إنساني في دفتر المفاوضات.

في قلب هذا المشهد، يبرز المطلب الغزّي اليوم كبيان سيادي واضح: أولوية الحياة قبل السياسة، وأولوية الإعمار قبل الترتيبات، وأولوية إنقاذ الإنسان قبل هندسة الحكم، فغزة تطلب حقها الطبيعي في الغذاء والدواء والمأوى والماء والكهرباء، وحقها في إدارة هذه الاحتياجات بإرادة أهلها لا بقرارات الوصاية.

مجلس السلام، هندسة وصاية باسم الاستقرار

حين يتحدثون عن "مجلس السلام" لغزة، فإنهم لا يتحدثون عن سلام بقدر ما يتحدثون عن هندسة ضبط سياسي، ولا عن استقرار بقدر ما يقصدون إدارة الخضوع تحت غطاء دولي فالمصطلح نفسه ليس سوى غلاف دبلوماسي لمشروع وصاية معاد تدويره، يعيد إنتاج منطق الانتداب بوسائل ناعمة، ويستبدل الدبابات بغرف عمليات متعددة الجنسيات.

هذا المجلس كما يُسوَّق له، لا ينطلق من حق الغزيين في اختيار من يدير شؤونهم، ولا من أولوياتهم الحياتية العاجلة، ينطلق من هواجس الأمن الإقليمي ومخاوف ما بعد الحرب، ومن رغبة القوى الكبرى في إعادة ترتيب المشهد بما يضمن هدوءً طويل الأمد، ولو على حساب العدالة والسيادة والكرامة.

هنا تتحول الإدارة الدولية إلى امتداد ناعم للاحتلال الصلب: حين يعجز القصف عن كسر الإرادة، تُستدعى الوصاية لتطويع السياسة، وحين تفشل آلة الحرب في فرض الاستسلام، يُعاد إنتاج السيطرة عبر لجان انتقالية ومجالس استقرار ومبعوثين دوليين.

لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله دعاة هذا المشروع هو: أي سلام يُبنى فوق أنقاض البيوت؟ وأي استقرار يمكن أن يُفرض على شعب بلا ماء ولا دواء ولا كهرباء ولا مأوى؟ وكيف يُدار مستقبل غزة بينما حاضرها ينزف تحت الركام؟

إن تصدير مطالب أهالي غزة الحياتية اليوم هو موقفاً سياسياً، فالغذاء أولوية وطنية، والمستشفى جبهة صمود، والمأوى عنوان كرامة، والمعبر شريان حياة، وأي مجلس يتجاوز هذه الأولويات هو مجلس إدارة أزمة لا مجلس سلام.

في غزة، لا يمكن فصل الإغاثة عن السياسة، ولا إعادة الإعمار عن السيادة، ولا الاستقرار عن العدالة، ومن هنا، فإن رفض الوصاية هو دفاعاً عن الحق في الحياة نفسها، فالسلام الحقيقي لا يُدار من الخارج، بل يُبنى من تحت الأنقاض، بإرادة من صمدوا فوقها.

التكنوقراط كفعل سيادي وليس إجراء إداري

في غزة تُولد المؤسسات من تحت الركام، وتُكتسب الشرعية من القدرة على البقاء والعمل تحت النار، لذلك لا يمكن قراءة لجنة التكنوقراط بوصفها إجراءً إدارياً مؤقتاً، ولا لجنة خدمات طارئة، إنّما بوصفها فعلاً سيادياً في زمن الاستهداف، ومحاولة فلسطينية لانتزاع قرار الحياة من بين أنياب الحرب.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل تستطيع اللجنة إدارة الملفات؟ وهل يُسمح لغزة أن تحكم نفسها؟ وهل يُترك لأهلها حق تنظيم شؤونهم في ظل الانهيار الكامل للبنية التحتية، أم يُعاد تدويرهم كموضوع إداري في مشاريع الخارج؟

الفرق الجوهري بين إدارة تُولد من الميدان وإدارة تُفرض من الفنادق، هو فرق الإرادة، فالإدارة التي تولد من بين الناس، وتعمل في الأزقة المدمّرة، وتفاوض على شاحنات الدواء والطحين، وتبحث عن الوقود لتشغيل المستشفيات، ليست إدارة خدمات فقط، هي إدارة اشتباك سياسي يومي مع الحصار والاحتلال والتجويع الممنهج.

هنا تتحول السيادة الإدارية إلى معركة بحد ذاتها، من يقرر أين تذهب المساعدات؟ من يشرف على المعابر؟ من يعيد تشغيل البلديات؟ من يضع أولويات الإغاثة؟ هذه مفاصل قرار وطني في لحظة انهيار شامل.

لكن في المقابل، يظل السؤال الأكبر معلّقًا فوق رؤوس الغزيين: هل ستُمنح هذه اللجنة فرصة حقيقية للعمل؟ أم ستُحاصر سياسياً كما حوصرت غزة عسكرياً؟ وهل يُراد لها أن تنجح بوصفها نموذج حكم فلسطيني مستقل، أم يُراد إفشالها لتبرير استدعاء الوصاية الدولية؟
لماذا يخاف نتنياهو من تكنوقراط غزة؟

حين يخرج بنيامين نتنياهو ليشن هجوماً سياسياً مباشراً على تركيبة لجنة التكنوقراط في غزة، فإن ذلك يمكن قراءته بوصفه اعترافاً صريحاً بفشل الاحتلال في السيطرة على مسار ما بعد الحرب.

فالاحتلال الذي دمّر الوزارات والمقار الحكومية والبنية الإدارية للقطاع، كان يراهن على فراغ سياسي كامل، يُعاد ملؤه لاحقاً بمشاريع انتقالية تُدار من الخارج، لكن ظهور لجنة وطنية من داخل غزة، تنبثق من الواقع أربك هذا السيناريو وأفقده أحد أهم أوراقه.

ما يخيف نتنياهو فكرة أن تُحكم غزة بإرادة فلسطينية مستقلة، وأن تُدار شؤونها دون وصاية، وأن يُعاد بناء نموذج حكم محلي قادر على الصمود، فهذا يقوّض الرواية الصهيونية التقليدية التي تصوّر غزة بوصفها كياناً فوضوياً غير قابل للحكم، يحتاج دائماً إلى وصيّ خارجي أو قبضة عسكرية.

إن اللجنة تمثل تهديداً استراتيجياً لمعادلة الاحتلال، فهي تقول إن غزة قادرة على تنظيم نفسها رغم الدمار، وعلى إدارة شؤونها رغم الحصار، وعلى إنتاج شرعية ميدانية رغم القصف، وهذا بالضبط ما لا يريده نتنياهو: نموذج حكم فلسطيني يصمد، لأنه يفتح الباب أمام سؤال أخطر: إذا كانت غزة قادرة على الحكم تحت النار، فلماذا يُمنع عنها حقها في الدولة تحت السلام؟

المجازر خارج الحسابات والحكم في قلب المعركة

في غزة، تُرتكب المجازر في وضح النهار، وتُدار المؤتمرات في الليل، يُدفن الأطفال تحت الأنقاض، بينما تُفتح قاعات الاجتماعات لمناقشة "اليوم التالي"، تُقصف المستشفيات، فيما تُنشأ اللجان لتوزيع الأدوار، هذه هي المفارقة الأخلاقية الكبرى في المشهد الدولي: صمتٌ مطبق على الدم، ونشاط محموم في الإدارة.

ازدواجية المعايير تحولت إلى بنية حكم عالمية كاملة، فحين كانت غزة تُسحق تحت آلة القتل، كان العالم يراقب بلا مساءلة، وحين بدأت تتلمّس طريقها لتنظيم حياتها تحت الركام، استنفر الجميع لإدارة شؤونها، وكأن الدم الفلسطيني لا يستحق العدالة، لكنه يصلح أن يكون خلفية لمشاريع الاستقرار.

في هذا المشهد، يصبح الغزي موضوعاً إدارياً لا قضية عدالة، ملفاً إنسانياً لا شعباً تحت الاحتلا، ورقماً في تقارير الإغاثة لا اسماً في قوائم الشهداء، ويُختزل حقه في الحياة إلى حصة غذائية، وحقه في الكرامة إلى خيمة مؤقتة، وحقه في السيادة إلى ترتيبات انتقالية.

لكن غزة لا تطلب إدارة معاناتها، غزة تطلب إنهاء معاناتها، هي لا تطلب تحسين شروط الحصار، إنّما كسره، ولا تطلب إعادة ترتيب الدمار، إنّما وقف صناعته، فالعدالة المؤجلة ليست سلاماً، وإدارة ما بعد الدم ليست إنقاذًا، والإنسانية التي لا تحمي من القتل ليست إنسانية.

معركة الحكم امتداد لمعركة التحرير

في غزة لا يمكن الفصل بين معركة الحكم ومعركة التحرير، فالحكم هنا ليس وظيفة بيروقراطية، الحكم فعل مقاومة، ومن دون قرار وطني مستقل، لا معنى لإعادة الإعمار، ولا قيمة للاستقرار، ولا مستقبل للسلام.

التحرير لا يبدأ عند وقف إطلاق النار، إنّما يبدأ عند استعادة القرار، لذلك تتحول معركة الحكم اليوم إلى ساحة مواجهة جديدة مع الاحتلال: من يسيطر على المعابر؟ من يدير الموارد؟ من يحدد أولويات الإغاثة؟ من يوقّع عقود الإعمار؟ هذه كلها مفاصل سيادية، لا ملفات تقنية.

السيادة المؤجلة ليست سيادة، والتحرير الإداري ليس بديلاً عن التحرير السياسي، لكنهما معاً يشكلان جبهة واحدة في زمن الدولة تحت القصف، فإما أن تُدار غزة بإرادة أهلها، أو تُدار بخرائط الآخرين، وإما أن يُعاد بناؤها كأرض حرة، أو يُعاد ترتيبها كمنطقة منزوعة القرار.

أهل غزة اليوم لا يحتاجون فقط إلى الغذاء والدواء والمأوى، أهل غزة يحتاجون إلى أفق سياسي يحمي هذه الاحتياجات من الابتزاز، يحتاجون إلى سلطة تحمي كرامتهم قبل أن تدير خدماتهم، وإلى مشروع وطني يتجاوز إدارة الأزمة نحو استعادة الحق.

ففي غزة، كل مستشفى يُعاد تشغيله هو إعلان سيادة، وكل مدرسة تُفتح هي فعل تحرير، وكل شارع يُرمم هو شهادة على أن هذه الأرض لا تزال تنبض بالحياة رغم القصف.

غزة لا تحتاج أوصياء، غزة تحتاج اعترافاً بحقها في أن تحكم نفسها كما تقاتل بنفسها، ولا تحتاج مجالس سلام تُدار من الخارج، تحتاج سيادة تُنتزع من تحت الركام، ولا تحتاج ترتيبات انتقالية تُدار فوق دمائها، إنّما مشروعاً وطنياً يُبنى بإرادتها.

التكنوقراط في غزة ليسوا بديلاً عن المشروع الوطني، التكنوقراط هو أحد أدواته في زمن إعادة تعريف السلطة تحت النار، هم تعبير عن إرادة الحياة في مواجهة آلة الموت، وعن حق الناس في تنظيم شؤونهم كما يدافعون عن أرضهم.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: أن من صمد في الحرب، أحق بالحكم في السلام، ومن دافع عن الأرض، أحق بإدارة مستقبلها، ومن دفع ثمن الحرية دماً، لا يمكن أن يُدار بقرارات الوصاية.

غزة تحكم نفسها؛ لأنها قاتلت بنفسها.

اخبار ذات صلة