فلسطين أون لاين

تقرير هل يضع نتنياهو والاحتلال عراقيل أمام لجنة تكنوقراط غزَّة؟

...
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو
غزة/ محمد أبو شحمة:

منذ اللحظات الأولى لإعلان تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة، خرج رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإعلان رفضه لها، وبدأ في محاولة تخريبها، رغم حالة الإجماع الدولية والعربية والفلسطينية حولها، وهو ما قد يدفعه لوضع عراقيل أمام عملها، خاصة في ظل حاجة القطاع الماسة للإعمار والتدخلات الإنسانية.

وأصدر نتنياهو بيانًا رسميًا قال فيه إن "تشكيل اللجنة التنفيذية التابعة لمجلس السلام في غزة تم دون تنسيق مع (إسرائيل)، وهذا خروج عن سياستنا"، وهو موقف يُستخدم ذريعة سياسية، في حين تؤكد مصادر أمريكية أن تل أبيب كانت على علم سابق بمسار التفاهمات المتعلقة باللجنة.

ويأتي هذا الرفض الإسرائيلي الرسمي بعد الضغوطات التي يتعرض لها نتنياهو من حلفائه في الائتلاف الحكومي والمعارضة الإسرائيلية، بهدف تعطيل عمل اللجنة وتأجيل استحقاقات سياسية كبرى، مثل ملف إعادة الإعمار وترتيبات الحكم في غزة، وحتى احتمالات التوجه إلى انتخابات مبكرة.

بدوره، أكد المختص في الشأن الإسرائيلي مأمون أبو عامر أن نتنياهو لن يكون قادرًا على التصرف في المرحلة الحالية كما كان يفعل خلال المرحلة الأولى من الحرب على غزة، موضحًا أن هامش المناورة المتاح له بات أضيق مع التطورات السياسية الجارية.

وقال أبو عامر لصحيفة "فلسطين": "نتنياهو كان يمتلك في المرحلة السابقة حرية أوسع على الساحة الغزية، إلا أن وجود مجلس السلام الدولي ولجانه التنفيذية، وطرح فكرة إنشاء لجنة إدارية داخل القطاع، شكّل ما وصفه بـ‘طبقة ثانية من تحصين وظيفة القطاع‘، وهو ما يحد من قدرة إسرائيل على الانفراد بإدارة المشهد".

وأضاف أن بدء الحديث عن إدخال قوات استقرار دولية إلى غزة، إلى جانب وجود مجلس تنفيذي فعال ولجنة إدارية، يعني حضورًا دوليًا مزدوجًا، سياسيًا عبر مجلس السلام واللجنة التنفيذية، وعسكريًا عبر قوات الاستقرار، الأمر الذي يفضي عمليًا إلى إدارة دولية للقطاع برعاية مباشرة من الإدارة الأمريكية.

وأكد أبو عامر أن هذا التطور يثير مخاوف حقيقية لدى نتنياهو، ليس فقط على المستوى التنفيذي، بل لأنه يشكل إطارًا تحصينيًا يمنع دولة الاحتلال من التصرف بحرية في الساحة الفلسطينية، ويحد من قدرتها على المناورة في المرحلة الثانية، خاصة في ظل الغطاء الدولي والأمريكي لهذا المسار.

وأشار إلى أن أي محاولة إسرائيلية لعرقلة عمل الحكومة التكنوقراطية أو اللجنة الإدارية ستضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وهو ما يفسر حدة الموقف الإسرائيلي الرافض لهذه الترتيبات. وأشار إلى تصريحات صدرت من أوساط أمريكية مفادها أن ملف غزة شأن أمريكي، بينما يظل الملف الأمني شأنًا إسرائيليًا، وهو ما يعد مصدر قلق كبير لدولة الاحتلال، لأنه يعني عمليًا انتقال السيطرة الإدارية الفعلية على غزة إلى طرف آخر.

وأوضح أبو عامر أن هذه السابقة تعد خطيرة في سياق العلاقات الدولية، وفي طريقة إدارة تل أبيب للمشهد الإقليمي، لأنها تسحب منها أحد أهم أوراق النفوذ والسيطرة. وأضاف أن دولة الاحتلال كانت ترى في لجنة التكنوقراط خطة مرحلية يمكن توظيفها لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي، عبر نزع البعد السياسي عن إدارة القطاع.

وتابع أن إنشاء مجلس تنفيذي دولي حد بشكل واضح من سلطات الاحتلال، وجعل المشهد أكثر غموضًا بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب، ما يدفع دولة الاحتلال إلى محاولة عرقلة نشاط الحكومة التكنوقراطية على الأرض، وإعاقة عملها، بهدف إعادة الأمور إلى الخلف وفرض اشتراطاتها على إدارة الشأن العام في غزة.

وأكد أن هذا السلوك مرتبط أيضًا بالحسابات السياسية الداخلية، حيث تواجه تل أبيب عامًا انتخابيًا، ويواجه نتنياهو انتخابات مرتقبة في شهر أكتوبر، موضحًا أنه في حال جرت الأمور بشكل طبيعي وانتقل ملف غزة إلى إدارة دولية، فإن نتنياهو سيسجل خسارة سياسية واضحة، تتمثل في سحب هذا الملف من يده.

وقال أبو عامر إن الإشكالية تكمن في أن الرئيس الأمريكي يمنح نتنياهو هامش حركة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تقويض الصورة السياسية التي بناها حول رعايته لمجلس السلام الدولي واللجنة التنفيذية، ما يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية في كيفية التعامل مع أي تجاوزات إسرائيلية محتملة.

وأضاف الخبير في الشأن الإسرائيلي، فراس ياغي، أن الغضب الإسرائيلي المعلن من لجنة إدارة غزة يأتي في نطاق الحملة الانتخابية والصراعات الداخلية، خاصة من الجهات الرسمية والمعارضة في دولة الاحتلال.

وقال ياغي: "الغضب الرسمي من وجود وزير خارجية تركيا، هيدان فيدان، ومستشار رئيس الوزراء القطري، محمد بن حمد آل ثاني، في عضوية اللجنة التنفيذية لغزة، لا يغيّر من التوجه الأمريكي العام."

وأضاف أن دولة الاحتلال حاولت منع وجود المندوب التركي والقطري في اللجنة لكنها أخفقت، ولم تستطع تغيير التوجه الأمريكي الذي يحتاج إلى تركيا وقطر في ملفات أخرى في المنطقة وعلى مستوى العالم.

وتابع ياغي: "كل ما نسمعه ليست سوى فشة غل لن تؤثر على العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولن تؤثر على الخطط المتفق عليها حول مختلف الجبهات."

وأوضح أن نتنياهو كان مطلعًا على تركيبة اللجنة، واعتراضه على بعض الأسماء لا يعني أن الولايات المتحدة ستأخذ ذلك بعين الاعتبار، فمصلحتها أكبر من أن تلتفت لمطلب شكلي لا يمس جوهر الأمن الإسرائيلي، بقدر ما يساعد أمريكا على تنفيذ خطتها.

 

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين