قائمة الموقع

"مجلس السلام"... أهداف غامضة وأسماء مثيرة للجدل

2026-01-20T08:24:00+02:00
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
فلسطين أون لاين

تثير الأسماء المطروحة في ما يسمى "مجلس السلام" الذي أعلنه البيض الأبيض، تساؤلات جدية بشأن طبيعة هذا المجلس وأهدافه الحقيقية وحدود الدور الذي يُراد له أن يلعبه في مستقبل قطاع غزة، في ظل غياب تمثيل الأطراف الإقليمية الفاعلة والشخصيات الدولية ذات المصداقية عن تشكيلته، فهل يمكن لمجلس يضم شخصيات معروفة بانحيازها لـ"إسرائيل" وتبنيها مواقف يمينية متشددة أن يشكل إطارًا نزيهًا لمرحلة ما بعد الحرب؟

وأعلن البيت الأبيض في بيان مساء الجمعة الماضية، عن تشكيل "مجلس السلام" في غزة، وتعيين نيكولاي ميلادينوف في منصب الممثل السامي لغزة، كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمن المرحلة الثانية من تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

كما شمل مجلس السلام الذي أعلنته الإدارة الأميركية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني ‌السابق توني بلير، وصهر ترامب جاريد كوشنر.

وعيّن البيت الأبيض -كذلك- آرييه لايتستون وجوش جرينباوم مستشارين لمجلس السلام، وأشار إلى أنه يجري إنشاء مجلس تنفيذي لغزة، دعما لمكتب الممثل السامي واللجنة الوطنية لإدارة غزة. كما عيّن البيت الأبيض الجنرال جاسبر جيفيرز قائدا لقوة الاستقرار الدولية.

وتشير الخطة الأميركية، ‌التي تم الكشف عنها ‌أواخر العام الماضي وتم بموجبها التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار ‌في غزة، إلى أن ترامب سيرأس المجلس.

مجلس يثير الشكوك

ويرى الباحث في الشـأن الأمريكي، د. توفيق طعمة أن الإعلان الأميركي عن تشكيل ما يسمى بـ"مجلس السلام" يثير علامات استفهام كبرى تتعلق بطبيعة هذا المجلس، وأهدافه الحقيقية، وهوية الجهات التي تقف خلفه، مشيرًا إلى أن الصورة حتى الآن غير مكتملة ومليئة بالغموض.

وأوضح طعمة لـ "فلسطين أون لاين"، أن الأسماء التي طُرحت لعضوية مجلس السلام، وعلى رأسها جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وتوني بلير، إلى جانب شخصيات أخرى، معروفة جميعها بمواقفها اليمينية المتطرفة والداعمة بشكل مطلق لـ(إسرائيل)، وهو ما يعطي مؤشرًا مبكرًا على طبيعة الدور الذي سيلعبه هذا المجلس مستقبلًا.

وأضاف: "حين نتحدث عن مجلس سلام حقيقي، من المفترض أن يضم رؤساء دول أو ممثلين عن أطراف إقليمية فاعلة مثل مصر وقطر وتركيا، إلى جانب شخصيات دولية ذات مصداقية، لكن حتى الآن لا يوجد أي طرف من هذه الأطراف ضمن التشكيلة المعلنة".

وأشار إلى أن أخطر ما ورد في الإعلان هو تعيين نيكولاي ميلادينوف بصفة "الممثل السامي لغزة"، معتبرًا أن هذا المسمى ليس تفصيلاً شكليًا، بل يحمل دلالات تاريخية وسياسية خطيرة.

وقال: "مصطلح المندوب أو الممثل السامي هو مصطلح استُخدم في فترات الاستعمار، وتحديدًا خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، وإعادة إحيائه اليوم يعيدنا ذهنيًا وسياسيًا إلى تلك المرحلة".

وشدد على أن التفسير الوحيد لما يجري هو أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض وصاية أميركية–دولية على قطاع غزة، بما يعني: نزع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومصادرة أي قرار سيادي يتعلق بمستقبل غزة، وإخضاع القضية الفلسطينية لإدارة خارجية منحازة بالكامل للاحتلال.

ولفت طعمة إلى أن الإعلان الأميركي لم يحدد حتى الآن مهام مجلس السلام بشكل واضح، ولم يتطرق بشكل صريح إلى طبيعة القوات الدولية أو قوات السلام، ولا إلى الإطار الزمني أو المرجعية السياسية والقانونية لهذا المجلس.

وأضاف: "ما نراه حتى اللحظة هو أسماء معروفة بتطرفها وانحيازها لـ"إسرائيل"، وأسماء أخرى غير معروفة، لكن القاسم المشترك بينها هو التماهي الكامل مع سياسة ترامب، وليس مع أي مسار سلام حقيقي".

هيمنة أميركية–إسرائيلية

من جانبه، الخبير في الشؤون السياسية والأمريكية، نعيم الريان يرى أن متابعة التشكيلات الإدارية والسياسية المرتبطة بتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غزة، من اللجنة الفلسطينية المحلية وصولًا إلى مجلس السلام، تكشف بوضوح أن الكلمة العليا والحاسمة كانت للجانب الأميركي والإسرائيلي.

ويشير ريان إلى أن هذه الهيمنة لم تبدأ مع مجلس السلام، بل سبقتها في مجريات الحرب نفسها، ثم في قرار وقف حرب الإبادة، حيث احتكرت واشنطن و"تل أبيب" طرح خطة وقف النار وتوقيتها، وما تبع ذلك من ترتيبات في المرحلة الأولى.

ويلاحظ ريان أن أدوار أطراف الوساطة الإقليمية، مثل مصر وقطر وتركيا، بقيت في إطار ثانوي ومساعد، واقتصرت وظيفتها –عمليًا– على جرّ الطرف الفلسطيني للقبول بالإطروحات والاشتراطات الأميركية والإسرائيلية، دون أن يلحظ المتابع أي تحسينات حقيقية في بنود التفاوض، أو ضمانات تعزز الموقف الفلسطيني.

وأضاف أن بدء المرحلة الثانية، والإعلان عن التشكيلات المحلية والخارجية المكلفة بإدارة الوضع في غزة، كشف حجم الضغوط المفروضة على الطرف الفلسطيني، خصوصًا في ما يتعلق بتشكيلة اللجنة المحلية، التي جاءت –بحسب ريان– على خلاف ما كان يسعى إليه المفاوض الفلسطيني، مع إشراك أسماء فُرضت ولها خلفيات سياسية "لا تبعث على الاطمئنان".

ويؤكد ريان أن تشكيلة مجلس السلام التي أعلن عنها البيت الأبيض، والتي تضم عددًا كبيرًا من مسؤولي الإدارة الأميركية المعروفين بتبنيهم الكامل للموقف الإسرائيلي، إضافة إلى توني بلير، تشير بوضوح إلى سيادة منطق السياسة الأميركية المتماهية مع الرؤية الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

وحذر من أن هذا التوجه قد يرافقه إشكالات خطيرة ومضاعفات جوهرية تهدد استمرار تنفيذ الخطة كما يراها الجانب الفلسطيني، لافتًا إلى أن الاشتراطات والمطالبات ستوجَّه حصريًا للطرف الفلسطيني، في حين تبدو التزامات الاحتلال مغيبة، أو غير مطروحة أصلًا للنقاش.

ويضيف: "المهمة الحقيقية لمجلس السلام تبدو استكمال ما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة العسكرية، عبر تنفيذ الشروط الإسرائيلية سياسيًا وأمنيًا".

ويخلص الريان إلى أنه، بعد هذه التعيينات، يمكن القول إن غزة دخلت رسميًا مرحلة الوصاية الدولية ومرحلة المندوب السامي، في وضع يُراد له أن يكون خارج الإرادة الفلسطينية، تحت ضغط الواقع الإنساني الكارثي ومقولة "لا بديل".

ويحذر من أن نجاح هذا المسار –إن استمر وفق الرغبة الأميركية والإسرائيلية– يعني عمليًا تجريم قوى المقاومة الفلسطينية، وتجريدها من الشرعية، بل وتجريم ثقافة المقاومة نفسها، بما يؤدي إلى انتصار أهداف الاحتلال، وتراجع الأهداف الوطنية الفلسطينية إلى مسافات أبعد.

اخبار ذات صلة