قائمة الموقع

من المجاعة إلى الشهادة: حكاية عيسى صبرة

2026-01-20T07:24:00+02:00
فلسطيني أصيب برصاص الاحتلال خلال انتظاره المساعدات (أرشيفية)
فلسطين أون لاين

في فجرٍ ثقيلٍ كغبار الحصار، خرج عيسى نعمان صبرة (36 عامًا) من بيته في قطاع غزة، حاملاً همّ عائلته قبل أي شيء آخر. كان متزوجًا وأبًا لثلاثة أطفال ينتظرون رغيفًا يسدّ جوعهم، في أولى موجات المجاعة التي عصفت بالقطاع خلال الحرب الإسرائيلية على غزة. لم يحمل معه سوى أملٍ بسيط: أن يعود بكيس طحين، وأن يرى ابتسامات أطفاله وقد هدأ صراخ المعدة الخاوية، لكنه لم يعد منذ ذلك اليوم.

تسرد زوجته، آمنة صبرة (29 عامًا)، القصة لـ "فلسطين أون لاين" بصوتٍ يثقله التعب والانتظار، قائلة: "في أحد أيام شهر مارس/آذار 2024، ومع اشتداد المجاعة الأولى التي ضربت قطاع غزة، قرر زوجي عيسى الخروج برفقة أشقائه وأقارب له باتجاه دوّار الكويتي، إذ قيل إن مساعدات إنسانية قد تصل. لم تكن المساعدات تصل إلى منطقتنا، وكان الجوع قد بلغ حدًّا لا يُحتمل، خصوصًا على الأطفال، فخرج فقط ليطعم أبناءه".

تتوقف آمنة قليلًا، ثم تتابع: "لم يكن الطريق آمنًا، وكنا نعلم ذلك، لكن لم يعد لدينا خيار. الأطفال كانوا ينامون ويستيقظون على الجوع ذاته، ولم يحتمل عيسى رؤيتهم هكذا".

في ذلك اليوم، ودّعهم عيسى على عجل. لم يحمل سوى هويته وقلبه المثقل بالخوف عليهم. مضى مع أقاربه نحو الدوّار، حيث يتجمع آلاف المدنيين بحثًا عن كيس طحين أو علبة غذاء.

تتابع آمنة روايتها، وقد اختلطت الكلمات بالدموع: "في ذلك اليوم، وبين الزحام والخوف، تفرّقوا عن بعضهم. ضاع عيسى عن أشقائه وأقاربه وسط الفوضى. حاولوا البحث عنه، ينادون اسمه، ويسألون من حولهم، لكن دون جدوى".

وبعد ساعات من البحث، عُثر عليه ملقى على الأرض، لا يقوى على الحركة. كان مصابًا إصابة خطيرة في الرقبة، أثّرت بشكل مباشر على الحبل الشوكي، ولم يكن قادرًا على الكلام أو الحركة.

تصمت آمنة قليلًا، ثم تقول: "لم يكن يحمل سلاحًا، لم يكن يقاتل، كان فقط أبًا يبحث عن طحين لأطفاله".

تلك اللحظة، كما تصفها، كانت الفاصل بين حياةٍ تعرفها العائلة، وحياةٍ أخرى مليئة بالانتظار والوجع. منذ العثور عليه مصابًا، بدأ يعيش فصولًا قاسية من المعاناة، في ظل الانهيار الصحي ونقص الإمكانيات الطبية، لتبقى عائلته معلّقة بين الأمل والخوف.

وتستكمل آمنة: "كانت حالة عيسى الصحية بالغة الخطورة. نُقل وهو ينزف بين مستشفى كمال عدوان ومستشفى المعمداني، دون تشخيص واضح أو علاج كافٍ، بسبب نقص الإمكانيات وضغط أعداد المصابين".

وقد تركت إصابته في الرقبة أثرًا بالغًا، إذ أصبح عاجزًا عن الحركة، ومتأثرًا بإصابة مباشرة في الحبل الشوكي، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة داخل أروقة المستشفيات.

ومع مرور الأشهر، وتدهور الأوضاع في شمال قطاع غزة، جرى نقله برفقة زوجته إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح. هناك، لم تكن المعاناة أقل قسوة، بل اتخذت شكلًا آخر.

تضيف آمنة بصوتٍ مكسور: "كنت أعيش بين نارين؛ وجع أولادي الذين تركتهم خلفي في الشمال، وخوفي عليهم بلا أب ولا أم، ووجع زوجي أمامي، لا يستطيع الحركة، ولا حتى التحكم في البول أو البراز".

وتوضح أن رعاية عيسى أصبحت مهمة شاقة نفسيًا وجسديًا، في ظل انعدام المستلزمات الطبية، وشح الأدوية، والاكتظاظ داخل المستشفى.

وتضيف تفاصيل أكثر قسوة عن رحلة الألم، قائلة: "لم تتوقف آثار الإصابة عند الشلل، بل تسببت بمضاعفات خطيرة هددت حياته مرارًا، إذ أدّت إلى تجمع صديد في الرئة. اضطر الأطباء إلى إجراء ثلاث عمليات لسحبه، وفي كل مرة كان الصديد يعود ويتجمع من جديد".

تتنهد قبل أن تكمل: "لم يكن عيسى يستطيع النوم على جنبيه، لأن ذلك كان يسبب له اختناقًا شديدًا، وكأن النفس ينقطع عنه. وإذا نام على ظهره، تتكوّن تقرّحات مؤلمة بسبب بقائه فترات طويلة دون حركة".

باتت لياليه بلا نوم أو راحة، والألم لا يفارقه حتى في لحظات الصمت. تقول آمنة: "كنت أراقب تنفّسه طوال الليل، أخاف أن يختنق وأنا عاجزة عن فعل أي شيء".

ولم يخرج من المستشفى إلا في أواخر يناير/كانون الثاني 2025، بعد أشهر طويلة من العلاج والتنقل بين الأقسام والأسِرّة. تضيف بحسرة: "خرج، لكن جسده لم يخرج من المرض".

ولم يمضِ أسبوع واحد على عودته إلى البيت حتى اضطرت العائلة للعودة إلى المستشفى والمبيت فيها مجددًا. تقول آمنة: "حالته الصحية كانت تسوء باستمرار، وكان يحتاج بشكل متكرر إلى مضادات حيوية ومتابعة طبية".

وتختم آمنة صبرة الحكاية بما يشبه وداعًا لم يكتمل: "قبل أربعة أشهر فقط، استشهد عيسى متأثرًا بإصابته ومضاعفاتها، بعد رحلة طويلة من الألم والتنقّل بين المستشفيات. لم يحتمل جسده أكثر، فسلّم روحه بهدوء، كما عاش أشهره الأخيرة بصمت".

رحل عيسى، وبقيت الحكاية معلّقة في عيون أطفاله الثلاثة. حتى اليوم، ما زالوا ينتظرونه؛ ينتظرون أن يفتح الباب فجأة، وأن يعود على قدميه كما كان، قويًا، مبتسمًا، حاملاً على ظهره كيسًا من الطحين، تمامًا كما خرج في ذلك اليوم من مارس/آذار 2024.

كان عيسى أبًا دفع حياته ثمنًا لرغيف خبز، وعائلةً ما زالت تعيش على أملٍ لا تعرف كيف ينتهي، في مكانٍ أنهكته الحرب. ففي غزة، لا يُقاس الفقد بعدد الشهداء فقط، بل بالأحلام الصغيرة التي دُفنت معهم، وبأطفالٍ ما زالوا ينتظرون آباءهم عند الباب.

وكان عيسى يعمل سائق شاحنة. ورغم أن دخله كان ضعيفًا ولا يكاد يكفي متطلبات الحياة، إلا أنه لم يتخلَّ يومًا عن مسؤوليته تجاه عائلته، وسعى بما استطاع لتلبية احتياجات زوجته وأطفاله الثلاثة.

اليوم، بعد استشهاده، تعيش العائلة حياةً بالغة الصعوبة. غاب المعيل الوحيد، وبقيت آمنة وحدها في مواجهة الفقر، ومسؤولية تربية ثلاثة أطفال، وذاكرة مثقلة بسنوات من الألم والانتظار.

في بيتٍ خالٍ من ضجيج خطواته، تحاول العائلة التكيّف مع غيابٍ لا يُعوَّض. لم يكن عيسى مجرد سائق شاحنة، بل كان عمود البيت وسنده. إنه الحصار والحرب ينهشان أجساد الغزيين ببطءٍ وقسوة؛ ففي غزة، لا يقتل القصف وحده، بل يقتل الجوع، وانعدام الدواء، وانهيار المستشفيات، والانتظار الطويل.

اخبار ذات صلة