في توقيت بالغ الحساسية، استقبل الاحتلال الإسرائيلي الإعلان عن لجنة التكنوقراط الفلسطينية وبوادر الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بتصعيد عسكري متواصل على قطاع غزة.
ويعكس هذا المشهد بوضوح محاولة الاحتلال بصورة ممنهجة لفرض الوقائع بالقوة، وعرقلة أي مسار سياسي قد يفضي إلى إنهاء الحرب أو تقليص هامش المناورة أمام حكومة بنيامين نتنياهو.
ويواصل جيش الاحتلال خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار عبر استمرار استهداف المواطنين في مختلف مناطق القطاع، وتوسيع ما تُسمى المنطقة الصفراء الواقع شرقي قطاع غزة، فقد شن طيران الاحتلال سلسلة غارات شرق مدينة غزة ودير البلح ومخيم البريج وسط القطاع، فيما أطلقت آلياته نيرانها تجاه المناطق الشرقية لمدينة خانيونس جنوب القطاع.
ويرى د. أحمد فارس عودة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، أن سلوك نتنياهو في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن مساعيه الداخلية للبقاء في الحكم، مشيرًا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال يحاول التحايل على الإدارة الأمريكية نفسها لتعطيل الدخول الفعلي في المرحلة الثانية، عبر ذرائع وصفها بـ"الواهية وغير المقبولة دوليًا"، وعلى رأسها ملف جثة الجندي الإسرائيلي المحتجزة في غزة.
وقال عودة لصحيفة "فلسطين"، إن نتنياهو يسعى من خلال هذه الذرائع إلى إبقاء السيطرة الإسرائيلية على القطاع، وإطالة أمد الحرب كوسيلة سياسية داخلية.
ويضيف أن الولايات المتحدة، من حيث المبدأ، أعطت الضوء الأخضر للبدء بالمرحلة الثانية دون ربطها بملف الجندي، إلا أن الأداء الأمريكي ما يزال "خجولًا" ومترددًا، رغم تفويض إقليمي من أربع دول لواشنطن بقيادة هذا المسار.
ووفق عودة، فإن هذا التردد يضع إدارة ترامب في موقع حرج أمام الوسطاء والمجتمع الدولي، ويجعلها مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض مسارها السياسي.
ورغم القصف المستمر، يعتقد عودة أن بوادر المرحلة الثانية ستبدأ، لافتًا إلى أن العنوان الأبرز في المفاوضات بات يتمحور حول قضية سلاح المقاومة.
وفي هذا السياق، يشير إلى وجود قبول فلسطيني مبدئي بحلول "مشرفة وبكرامة"، لا تُفهم على أنها انكسار أو هزيمة، بل ضمن تسوية سياسية شاملة. وتطرح الولايات المتحدة، بحسب عودة، مقاربة جديدة على الوسطاء، تقوم على عفو عام يشمل القطاع بأكمله، مقابل تسليم السلاح، مع بقاء حركة حماس في غزة وتحولها من حركة مقاومة إلى فاعل سياسي.
هذه الرؤية، وفق عودة، تحظى بإجماع نسبي من الوسطاء، بما فيهم الاتحاد الأوروبي، الذي أبلغ الإسرائيليين بخطورة سياسة التأجيل، محذرًا من أن استمرار التعطيل سيؤخر عودة (إسرائيل) إلى محيطها الأوروبي ويعمّق عزلتها السياسية.
وفي تقدير عودة، فإن فشل الاتفاق في غزة مستبعد، إذا ما قررت الولايات المتحدة والأمم المتحدة إنهاء الحرب، لكن "عنصر الزمن" يبقى الإشكالية الأهم، كما حدث في المرحلة الأولى التي استغرقت وقتًا طويلًا.
ويشير إلى تصريحات حول أن إعادة إعمار غزة قد تستغرق سبع سنوات، مع محاولات دولية لتقليص هذه المدة، تمهيدًا لمرحلة سياسية لاحقة تُفضي إلى إنهاء الحالة الفلسطينية الراهنة والوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
من جهته، ينتقد د. عمر جعارة الخبير في الشأن الإسرائيلي الموقف الأمريكي تجاه اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرًا أن واشنطن إما غير جادة في كبح (إسرائيل)، أو أنها توعز ضمنيًا بهذه العمليات العسكرية.
ويؤكد جعارة لـ"فلسطين"، أن المشروع الصهيوني، رغم مرور 77 عامًا، فشل في تحقيق حلم الاحتلال في تحقيق ما يُسمى "الدولة من النهر إلى البحر"، ولم ينجح إلا عبر القتل، وهو ما لا يخدم أمن (إسرائيل) على المدى البعيد.
ويوضح أن (إسرائيل) لا تلتزم بما توقع عليه، مستشهدًا بملف الكرفانات والمساعدات، معتبرًا ذلك "لائحة اتهام" للوسطاء والعرب.
ويرى جعارة أن مستقبل الاتفاق مرهون بالإرادة الأمريكية وحدها، مشيرًا إلى أن نتنياهو بات يتباهى أمام اليمين الإسرائيلي بتطرفه، فيما يواصل العبث بأمن المنطقة مستندًا إلى الفيتو والطائرات الأمريكية.
ويؤكد أن المشكلة الحقيقية ليست في حكومة التكنوقراط، بل في "مجلس السلام" الذي تقوده واشنطن، مشددًا على أن (إسرائيل) عجزت طوال الحرب عن نزع سلاح المقاومة، ولن تتمكن من تحقيق "صفر مقاومة" لا في غزة ولا في الضفة.
ويكشف التصعيد الإسرائيلي المتزامن مع المسار السياسي عن صراع إرادات أكثر منه خلافًا تقنيًا، حيث تحاول (إسرائيل) كسب الوقت بالقوة، فيما يبقى القرار الحقيقي بيد الولايات المتحدة، بين إنهاء الحرب أو استمرارها تحت عناوين سياسية فضفاضة، يدفع ثمنها المدنيون في قطاع غزة.

