أثارت تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي، التي هنّأ فيها جنود جيش الاحتلال بمواصلة تدمير قطاع غزة، موجة واسعة من الإدانات القانونية والحقوقية، في ظل استمرار عمليات الهدم والتجريف رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ قبل نحو شهرين، ما اعتُبر اعترافًا صريحًا بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وكان وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد علّق، أول من أمس، على تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أفاد بأن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن (إسرائيل) دمّرت أكثر من 2500 مبنى في قطاع غزة داخل المناطق التي تسيطر عليها، منذ بدء سريان وقف إطلاق النار.
وأوضح التقرير أن أحياءً كاملة، من بينها حي الشجاعية، تعرضت لدمار شبه كامل، إلى جانب تدمير مجمعات سكنية ومنازل وأراضٍ زراعية.
وفي تغريدة نشرها عبر منصة "إكس"، قال وزير الحرب: "تزعم صحيفة نيويورك تايمز أن (إسرائيل) ما زالت تدمّر غزة، وأنه منذ وقف إطلاق النار دُمّر أكثر من 2500 مبنى… أهنئ جنود الجيش الإسرائيلي على عملهم"، في تصريح اعتبره مراقبون تفاخرًا علنيًا بتدميرٍ ممنهج للأعيان المدنية.
خرق للقانون
أكد الخبير في القانون الدولي والإنساني، الدكتور عمر رحال، أن تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي وسلوك حكومة الاحتلال تشكّل دليلًا إضافيًا على خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على حماية الأعيان المدنية وعدم استهداف الممتلكات التي تخدم السكان المدنيين.
وأوضح رحال، لصحيفة "فلسطين"، أن المباني التي دمّرها جيش الاحتلال تُصنّف قانونيًا كأعيان مدنية محمية، وأن استهدافها المتعمّد، لا سيما بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة دولية، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان.
وأضاف أن الاحتلال لم يكتفِ بتدمير منازل منفردة، بل أزال مربعات سكنية كاملة، في سلوك يعكس عقلية انتقامية تتجاهل كليًا قواعد القانون الدولي.
وأشار رحال إلى أن هذا النهج ليس جديدًا، إذ سبق لوزير الحرب الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن أعلن فرض حصار شامل على قطاع غزة، وقطع إمدادات الغذاء والمياه والكهرباء والدواء، وذهب إلى حد وصف الفلسطينيين بـ"الحيوانات البشرية"، ما يدل على وجود نية مبيّتة لتدمير القطاع وتهجير سكانه.
وبيّن الخبير القانوني أن تدمير المنازل والأعيان المدنية يهدف عمليًا إلى دفع السكان نحو الهجرة القسرية وجعل قطاع غزة غير قابل للحياة، مؤكدًا أن البيت يحمل رمزية خاصة لدى الفلسطينيين، وأن استهدافه محاولة لكسر صمودهم، رغم فشل الاحتلال المتكرر في تحقيق هذا الهدف.
وشدد رحال على أن تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي تمثّل امتدادًا لخطاب تحريضي صادر عن وزراء وأعضاء في الحكومة الإسرائيلية، يدعو صراحة أو ضمنًا إلى تهجير سكان قطاع غزة، مؤكدًا أن هذه التصريحات، ووفق ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، تُعد دليل إدانة يمكن البناء عليه لملاحقة قادة الاحتلال قضائيًا.
ملفات قانونية
من جهته، قال أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية برام الله، د.رائد أبو بدوية، إن تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يمكن إضافتها إلى الملفات القانونية المقدّمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، سواء من قبل دولة جنوب أفريقيا أو الدول التي انضمت إلى الدعوى، باعتبارها دليلًا جديدًا على ارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية بحق المدنيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وأوضح أبو بدوية، لـ"فلسطين"، أن هذه التصريحات تشكّل اعترافًا رسميًا من أعلى المستويات السياسية والعسكرية في (إسرائيل) بارتكاب جرائم ممنهجة، ما يعزز التحقيقات المفتوحة في المحكمة الجنائية الدولية، وقد يسهم في الدفع نحو إصدار مذكرات اعتقال بحق وزير الحرب الإسرائيلي وغيره من قادة الاحتلال المتورطين في هذه الجرائم.
وأعرب عن استغرابه من صمت المؤسسات الدولية والقانونية، وعدم تنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة بحق قادة الاحتلال، مرجعًا ذلك إلى الضغوط الأمريكية، لا سيما في ظل سياسات واشنطن التي فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، في محاولة لثنيها عن ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين.
وأشار أبو بدوية إلى أن حرب غزة كشفت عجز المنظومة القانونية الدولية والنظام الدولي عن حماية المدنيين أو فرض احترام القانون الدولي، في ظل عربدة إسرائيلية مدعومة أمريكيًا.
ورغم ذلك، شدد على أهمية الاستمرار في تقديم وتطوير الملفات القانونية، إلى جانب تفعيل أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.
ودعا إلى تحرك عربي وإسلامي أكثر فاعلية، وعدم الاكتفاء بالإدانات اللفظية، والعمل على محاصرة الاحتلال سياسيًا واقتصاديًا، وتسريع الجهود المتعلقة بما يُعرف بـ"اليوم التالي للحرب"، لمنع عزل قطاع غزة عن محيطه والعالم، مع تعزيز دور الدول الإقليمية، مثل مصر وقطر وتركيا، في تخفيف ووقف الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات أطلقتها الأمم المتحدة بشأن حجم الدمار غير المسبوق في قطاع غزة، وما يفرضه من تحديات هائلة أمام جهود الإغاثة والتعافي.
وتشير تقديرات أممية ودولية إلى أن حجم الأنقاض في غزة يعادل حمولة نحو 3000 سفينة حاويات، وأن كل فرد في القطاع بات محاطًا بمتوسط 30 طنًا من الركام، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية وعمق الجريمة المرتكبة بحق القطاع وسكانه.

