قائمة الموقع

القوة والميل: حكمة التقييد الإلهي بين الرجل والمرأة

2026-01-18T08:30:00+02:00
فلسطين أون لاين

يبدو للوهلة الأولى أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على مفارقة محيّرة: الرجل – في الجملة – أقوى جسدًا وأصلب نفسًا، ومع ذلك يُخلق وفي داخله ميل عميق إلى المرأة، التي تُوصَف عادة بالرقة والضعف. غير أن هذا الضعف لا يلبث، في مسار العلاقة، أن يتحول إلى قدرة على التأثير، بل أحيانًا إلى تقييد وربما تحكّم. فكيف يُفهم هذا التناقض؟ وهل هو خلل في الخلقة؟ أم أنه مقصود إلهي يحمل حكمة أعمق من منطق القوة السطحي؟ هذا المقال محاولة لفهم هذه المعادلة لا بوصفها صراعًا بين ذكر وأنثى، بل بوصفها علاقة وجودية تقوم على الابتلاء والتكامل والتوازن.

القوة بوصفها تكليفًا لا سيادة

القوة التي أُعطيت للرجل ليست امتيازًا مطلقًا، بل وظيفة أخلاقية. والفرق كبير بين من يملك القوة ومن يُسأل عنها. فالقوة الجسدية لا تُنتج تلقائيًا حكمة، ولا تضمن عدلًا، ولا تمنح تفوقًا إنسانيًا. بل إن القوة، في كثير من الأحيان، هي أشد مواضع الابتلاء؛ لأن صاحبها قد يفتتن بها فيظنها ذاتًا لا أداة، وحقًا لا أمانة. ومن هنا، لم يُخلق الرجل ليُترك لقوته بلا قيد، لأن القوة غير المقيّدة تنقلب سريعًا إلى طغيان، والطغيان نفيٌ لمعنى الاستخلاف.

الميل ككسرٍ داخلي للقوة

ميل الرجل إلى المرأة ليس تفصيلًا ثانويًا في الخلقة، بل هو قيد داخلي وُضع في قلب القوة. الرجل قد يواجه الأخطار، ويصبر على الشدائد، ويغلب خصومه، لكنه أمام المرأة ينكسر بطريقة مختلفة. هذا الانكسار ليس ضعفًا، بل إعادة ترتيب للذات. فالمرأة لا تهزم الرجل بسلاح، ولا تُخضعه بقهر، بل تؤثر فيه عبر التعلّق والخوف من الفقد والحاجة إلى القبول والرغبة في السكينة. وهنا تتجلى الحكمة: أن يُهذَّب القوي من داخله، لا أن يُكسَر من خارجه.

وهم الضعف وقوة التأثير

المرأة ليست ضعيفة بالمعنى الوجودي، بل مختلفة في موضع التأثير. قوتها ليست جسدية ولا صدامية، وإنما قوة حضور واستجابة واحتواء وصناعة معنى. ولهذا تكون قادرة، عند اختلال الميزان، على الإمساك بمفاتيح الرجل النفسية، لا لأنها أقوى منه، بل لأنها أقرب إلى موضع هشاشته الداخلية.

من الحكمة إلى الفتنة

التقييد في أصله حكمة، لكنه يتحول إلى فتنة حين يُفقَد الوعي. ينقلب الميل عبودية حين ينسى الرجل أنه قيِّم لا تابع، وحين تنسى المرأة أنها سكن لا مركز سلطة. عندها يتحول الحب إلى أداة ضغط، والعاطفة إلى وسيلة امتلاك، والاحتياج إلى قيد خانق. وهنا لا يكون أحد الطرفين منتصرًا، بل كلاهما خاسر؛ لأن العلاقة خرجت من معناها الأخلاقي إلى صراع خفي على النفوذ.

الخوف الخفي وراء القوة

القوة الظاهرة كثيرًا ما تخفي خوفًا داخليًا: الخوف من الوحدة، من الفراغ، من فقدان السيطرة. ولهذا يميل الرجل إلى المرأة بوصفها مساحة يُسمح له فيها أن يخلع درعه وأن يتخفف من صلابة الدور. لكن الخلل يبدأ حين تُعلَّق الطمأنينة كلها على المرأة، فتصير بديلًا عن المعنى، لا شريكة فيه. عندها يتحول التقييد النفسي إلى استنزاف، ويصير الميل عبئًا بدل أن يكون توازنًا.

افتتان المرأة بالقوة

كما يميل الرجل إلى رقة المرأة، تميل المرأة إلى قوة الرجل، لا إلى القوة العارية، بل إلى القوة التي تُشعرها بالأمان. فإذا ضعفت هذه القوة، أو تهربت من مسؤوليتها، قد تحاول المرأة أن تملأ الفراغ، فتتقدم إلى موضع لم تُخلق له أصالة. وهنا لا يكون التسلط النسوي أصلًا، بل غالبًا رد فعل على غياب القوامة الواعية. فالخلل لا يبدأ من طرف واحد، بل من اختلال الميزان بين الطرفين.

الحب بوصفه امتحانًا أخلاقيًا

الحب ليس فضيلة تلقائية، بل اختبار يكشف معدن النفس. هل يستخدم الرجل الحب ليتنازل عن مسؤوليته؟ وهل تستخدم المرأة الحب لتملك بدل أن تحتوي؟ ولهذا كان الحب من أخطر أبواب الابتلاء؛ لأنه يعمل في منطقة لا تحكمها القوانين الظاهرة، بل النيات الخفية.

الميزان القرآني للعلاقة

في الرؤية القرآنية، العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة غلبة، بل علاقة استخلاف مشترك. الرجل مُطالَب بالقيادة الأخلاقية لا بالاستبداد، والمرأة مُطالَبة بأن تكون سكنًا لا قيدًا.

فإذا أدّى كلٌّ دوره، صارت قوة الرجل أكثر إنسانية، وصار تأثير المرأة أكثر نقاءً. أما إذا تنازعا على مواضع ليست لهما، ضاعت الحكمة وتحولت العلاقة إلى ساحة استنزاف.

القراءة العرفانية

عرفانيًا، يرمز الرجل إلى الظاهر والفعل، وترمز المرأة إلى الباطن والاحتواء. ولا قيام للإنسان الكامل إلا بتوازن الظاهر والباطن. فإن استغنى الظاهر عن الباطن قسا، وإن استبد الباطن بالظاهر فسد. ومن هنا لم تُخلق المرأة لتُخضع الرجل، ولم يُخلق الرجل ليُلغِي المرأة، بل ليهذّب كلٌّ منهما الآخر. ليست الحكمة في أن يكون الرجل قويًا، ولا في أن تكون المرأة مؤثرة، بل في أن يعي كلٌّ منهما معنى ما أُعطي. فالقوة إذا لم تُفهَم أفسدت، والتأثير إذا لم يُضبط استبدّ. وحين يعود المعنى إلى موضعه، تتحول العلاقة من صراع خفي إلى شراكة وجودية، ومن شدٍّ وجذب إلى سكينة تُنقذ الطرفين من أنفسهم قبل أن تُنقذهم من بعضهم البعض.

اخبار ذات صلة