لم يمضِ على إعلان مبعوث البيض الأبيض ستيف ويتكوف، بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مساء أمس، سوى ساعات حتى بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي حملة قصف واغتيالات في قطاع غزة، مسجلاً خرقًا جديدًا للاتفاق المبرم بوساطة تركيا ومصر وقطر، ورعاية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الغارات الإسرائيلية التي نفذها جيش الاحتلال، الخميس الماضي، أدت إلى استشهاد 12 مواطنًا. وقد جاءت بعد تحليق مكثف للطائرات الحربية بدون طيار، على ارتفاعات منخفضة في أجواء القطاع الساحلي ضمن جهد استخباري مكثف.
وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع دعوة أعضاء لجنة التكنوقراط للاجتماع في العاصمة المصرية القاهرة، ضمن المرحلة الثانية التي أعلن عنها ويتكوف وبدأتها حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو، بالقصف والاغتيال، في مشهد وصفه مراقبون أنه يعكس خداعًا سياسيًا تتبناه أمريكا وتستغله (إسرائيل).
المختص بالشأن الإسرائيلي وليد أغا، فسَّر ما شهده القطاع من تصعيد عسكري، بأن الاحتلال يستغل عدم وجود أوراق ضغط تمارسها ضده إدارة ترامب والوسطاء، ولذلك فهو يواصل انتهاكاته لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأضاف أغا، لصحيفة "فلسطين"، "الاحتلال يعتبر أن لديه حرية التصرف بغطاء أمريكي كامل لانتهاكاته في غزة."
ومنذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، استشهد 463 مواطنا، وأصيب 1,269، بينما تم انتشال 712 شهيدًا وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة.
بدوره، رأى الباحث في الشؤون العسكرية، رامي أبو زبيدة، أن الحرب على غزة مستمرة، والعدوان متواصل بلا توقف، مضيفًا "هذا عدو مجرم (الاحتلال الإسرائيلي) يواصل القتل والقصف، ويستهدف البيوت والأحياء والنقاط الأمنية، ويترك الشهداء في كل ساعة."
وكتب أبو زبيدة في مقال قصير، اطلعت عليه "فلسطين": "لا تنخدعوا بعناوين المرحلة الثانية، ولا بلغة التهدئة المزيفة." وأضاف، "ما يجري على الأرض يكذب كل الادعاءات.. الدم لا يزال ساخنًا، والقصف حاضر، وغزة ما زالت تحت النار."
وعلاوة على أن التصعيد الإسرائيلي شكل خرقًا لوقف إطلاق النار، فقد شمل استهداف شخصيات قيادية ومواطنين، ونقاط أمنية، وتخلله إشارات إخلاء جديدة كالتي شهدها قطاع غزة في خضَّم حرب الإبادة التي بدأت يوم 7 أكتوبر، واستمرت سنتين.
الصحفي يوسف فارس، وثق على حسابه في موقع "فيسبوك" الجريمة الإسرائيلية باستهداف منازل المدنيين. وكتب في منشور له: "تركت (إسرائيل) بصمتها على الإعلان الأمريكي عن دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب حيز التنفيذ، بحفلة من القتل لم تتوقف. عائلة الخطيب بمخيم النصيرات ومعها عائلات الجرو والحولي تعرضوا لقصف قضى فيه نحو ١٢ شهيدًا، أما في مخيمات النازحين في جباليا البلد وبيت لاهيا، فلم تتوقف صليات الرصاص، وفي مدينة دير البلح أعاد جيش العدو إنتاج سيناريو الإبادة بإصدار أوامر إخلاء لمربعات سكنية بأكملها ليبيت الأهالي ليلتهم في العراء البارد."
أما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، ربط بين التصعيد الإسرائيلي وتطورات المشهد الإداري في غزة وما رافقه من اجتماع أعضاء لجنة إدارة غزة. وأكد أنه رغم ذلك "إلا أن عامل القلق لا يزال حاضرًا، إذ يلتزم الاحتلال الصمت سياسيًا بينما يتحرك ميدانيًا بالقتل وتنفيذ الخروقات، ما يضفي توترًا على المشهد ويغذي المخاوف بشأن فرص التقدم إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار."
وكتب في تحليل سياسي نشره على حسابه في موقع "فيسبوك: "بين القاهرة التي تهندس البداية، وواشنطن التي تسرع الإعلان، يبقى الاختبار الحقيقي مرهونًا بقدرة هذا المسار على الصمود أمام سلوك الاحتلال، وبأن تترجم الاجتماعات إلى تخفيف فعلي لمعاناة الناس في غزة، وهي الأٌمنية التي افتتح بها الاجتماع، وتبقى معيار النجاح الوحيد."
المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني، قيَّم المشهد بأنه "إعلان سياسي بلا التزام ميداني، ورسالة قوة أكثر منه انتقالاً حقيقيًا إلى المرحلة الثانية بالمعنى التفاوضي والإنساني."
ورأى مسلماني في تصريح لـ"فلسطين"، أن إعلان المرحلة الثانية بالتزامن مع تنفيذ اغتيالات وارتقاء شهداء، يكشف تناقضًا جوهريًا، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) تريد إثبات انفتاحها على المسار السياسي، لكنها عمليًا تُبقي على حرية القتل والاشتباك."
وعد أن ذلك "ليس خللًا عارضًا، بل سياسة محسوبة تهدف إلى اختبار رد المقاومة وحدود ضبط النفس، وتحسين شروط التفاوض عبر الضغط الميداني، وطمأنة الداخل الإسرائيلي بأن اليد لا تزال على الزناد."
وبين مسلماني أن الاحتلال بتصعيده العسكري يرسل رسائل مقصودة ليست لغزة فقط، بل للوسطاء وواشنطن كذلك، مفادها؛ أن (إسرائيل) عمليًا تقبل بالمرحلة الثانية شكليًا، لكن بشروطها ووتيرتها، ودون وقف فعلي للنار، وهذا يعكس مساعيها إلى تحويل الاتفاق من التزام متبادل إلى أداة لإدارة الصراع.