شكّل قصف الاحتلال الإسرائيلي لنقطة تابعة للشرطة الفلسطينية عند مفترق النابلسي جنوب غربي مدينة غزة تطورًا خطيرًا، تجاوز كونه اعتداءً ميدانيًا محدودًا، ليحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة تمسّ جوهر اتفاق وقف إطلاق النار، وتلقي بظلال ثقيلة على عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلّفة بإدارة شؤون قطاع غزة في مرحلته الانتقالية.
وجاء الهجوم، الذي أسفر عن ارتقاء عدد من عناصر الشرطة، في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع بدء اللجنة أعمالها رسميًا، ما يثير تساؤلات جدية حول نوايا الاحتلال وحدود التزامه بالاتفاق.
ويأتي هذا القصف في وقت يُفترض فيه أن تدخل غزة مرحلة جديدة، عنوانها تثبيت التهدئة، وإعادة تنظيم الحياة المدنية، وتهيئة الأرضية لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
غير أن استهداف نقطة شرطية تُعد جزءًا من البنية الأمنية المدنية يوجّه رسالة واضحة مفادها أن الاحتلال لا يزال يتعامل مع أي مظهر من مظاهر انتظام الإدارة الفلسطينية في القطاع بوصفه تهديدًا يجب تقويضه، حتى وإن جرى ذلك تحت مظلة حكومة تكنوقراط غير فصائلية.
ويرى محللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين"، أن قصف مفترق النابلسي لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للتصريحات والمواقف الإسرائيلية التي أعقبت الإعلان عن تشكيل لجنة إدارة غزة. فإسرائيل، وفق هؤلاء، تسعى عمليًا إلى إفراغ الاتفاق من مضمونه عبر خروقات مدروسة تُبقي الوضع الأمني هشًا، وتمنع اللجنة من بسط أي شكل من أشكال السيطرة الإدارية أو الأمنية.
ويؤكد المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، الدكتور سعيد عكاشة، أن المرحلة الثانية من اتفاق غزة بدأت شكليًا، لكنها لا تزال تواجه عراقيل جوهرية على الأرض. ويشير إلى أن تحميل اللجنة أو الإدارة الفلسطينية مسؤولية نزع سلاح «حماس» يمثل فخًا سياسيًا خطيرًا، قد يُستخدم لاحقًا مبررًا لشن هجمات جديدة.
ويرى عكاشة أن استهداف الشرطة الفلسطينية يندرج في إطار هذه المناورة، إذ يبعث برسالة مفادها أن إسرائيل لن تسمح بوجود جهاز أمني فلسطيني فاعل، حتى وإن كان مدنيًا ومحصورًا في حفظ النظام.
ويضيف عكاشة أن (إسرائيل) لا تكتفي بالقصف، بل تواصل فرض قيود أخرى، من بينها عدم الانسحاب من مناطق واسعة في القطاع، وعرقلة عملية الإعمار الشامل، بما يُبقي غزة مقسّمة فعليًا إلى مناطق نفوذ، الأمر الذي يقوّض أي محاولة جادة لإدارة موحّدة.
من جهته، يرى المحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع، أن قصف نقطة الشرطة يمثل ضربة مباشرة لعمل لجنة التكنوقراط، لأنه يستهدف أحد أعمدة الاستقرار الداخلي. ويقول مطاوع إن أي لجنة، مهما كانت طبيعتها، لا يمكن أن تنجح من دون جهاز أمني قادر على ضبط الوضع الداخلي، وحماية المرافق العامة، وتأمين المساعدات وعمليات الإغاثة.
ويضيف أن (إسرائيل) تدرك هذه الحقيقة، وتسعى عمدًا إلى إبقاء الوضع الأمني في حالة سيولة وفوضى محسوبة.
ويحذر مطاوع من أن استمرار مثل هذه الخروقات قد يدفع باتجاه سيناريو بالغ الخطورة، يتمثل في فرض واقع «إعمار جزئي» في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، مقابل ترك بقية القطاع في حالة شلل، ما يعني عمليًا تفكيك وحدة غزة الجغرافية والإدارية.
ويؤكد المحللان أن استهداف الشرطة ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة من الخروقات التي تهدف إلى اختبار صبر الوسطاء، ودفع لجنة الإدارة نحو الفشل المبكر. واتفقا على أن الاحتلال يحاول خلق بيئة طاردة لأي إدارة فلسطينية، تمهيدًا لإعادة طرح خيارات عسكرية أو أمنية بديلة تحت ذريعة «غياب الشريك القادر على الضبط».
ولفت عكاشة إلى أن نجاح لجنة التكنوقراط لا يرتبط فقط بإرادتها أو كفاءتها، بل بمدى توفر غطاء دولي حقيقي يحميها من الاستهداف، ويفرض على الاحتلال الالتزام الصارم ببنود وقف إطلاق النار. فالقصف، وفق هذا المنظور، يُعد خرقًا واضحًا للاتفاق، كونه يستهدف جهازًا مدنيًا يعمل في إطار حفظ النظام، وليس ضمن أي نشاط عسكري.
في المقابل، يرى مطاوع أن استمرار الصمت الدولي إزاء مثل هذه الاعتداءات سيشجع إسرائيل على المضي قدمًا في سياسة «القضم البطيء» للاتفاق، عبر خروقات محسوبة لا تؤدي إلى انهياره دفعة واحدة، لكنها تفرغه تدريجيًا من مضمونه، وتحول لجنة الإدارة إلى كيان شكلي عاجز عن تلبية احتياجات المواطنين.
وفي المحصلة، يمكن القول إن قصف نقطة الشرطة عند مفترق النابلسي شكّل اختبارًا مبكرًا لجدية اتفاق وقف إطلاق النار، ولقدرة لجنة التكنوقراط على العمل في بيئة معادية.
وهو، في الوقت ذاته، رسالة سياسية بالغة الدلالة مفادها أن المعركة لم تعد تقتصر على شكل الحكم، بل باتت تتعلق بمن يملك حق إدارة الحياة اليومية في غزة. وبينما تراهن اللجنة على الدعم الدولي والوساطات الإقليمية، يواصل الاحتلال سياسة الخرق والضغط، واضعًا مستقبل الاتفاق برمّته على حافة الانهيار، ما لم يُقابل ذلك بموقف دولي حازم يضع حدًا لهذا المسار.