لم يكن محمود تامر محمود أبو دان يعرف من العالم سوى ملامحه القريبة: بيت العائلة في مدينة غزة، حيّ الرمال الشمالي، الطريق المؤدي إلى مدرسة البطريركية اللاتينية، وضحكات الأطفال التي كانت تتسلل إلى قلبه رغم صمته.
محمود، 14 عامًا، فتى من ذوي الإعاقة الذهنية، غير ناطق، لكن قلبه كان يتكلم بلغته الخاصة. كان يجد الأمان في الروتين، وفي الوجوه التي ألفها، وفي المكان الذي تعلّم فيه كيف يكون جزءًا من الحياة رغم قسوتها.
التحق محمود بمركز «نور الحياة» للتربية الخاصة، وهناك بدأ فصل مختلف من حكايته. في ذلك المكان، لم يُنظر إليه بوصفه «حالة»، بل طفلًا له حق التعلم واللعب والفرح. تعلّم كيف يركض، كيف يشارك، وكيف يبتسم بثقة. وذات يوم، وقف محمود على مضمار سباق الجري ضمن مسابقة الألعاب الأولمبية الفلسطينية لذوي الإعاقة، وركض بكل ما في صدره من إصرار.
لم يتعثر، لم يتوقف، سبق الجميع، وعاد يحمل كأس الفوز وميدالية المركز الأول. يومها، كان صمته أعلى من أي هتاف.
لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لا تعترف بالإنجازات، ولا تحفظ الذاكرة الآمنة للأطفال، ولا تصون حقوق الضعفاء. ومع تصاعد القصف واتساع رقعة النزوح، أُجبرت عائلة محمود على ترك بيتها. وكان النزوح أشد قسوة حين وصلت الأسرة، في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2024، إلى منطقة أصداء في مدينة خان يونس.
خيمة مؤقتة، مكان جديد، ضجيج وخوف، وأيام بلا ملامح. كل ما يُربك طفلًا عاديًا، كان مضاعفًا على محمود، الذي يحتاج إلى الاستقرار ليشعر بالأمان.
في ذلك اليوم، جلس محمود على باب الخيمة، بصفته أكبر إخوته، وبرفقته أخواته الأصغر سنًا، فيما لم يكن والداه داخل الخيمة في تلك اللحظة. دقائق قليلة كانت كافية لتتحول إلى فاجعة. فعندما عاد الأبوان، لم يجدا محمود. اختفى من المكان الذي ظنّاه الأكثر أمانًا.
لم يكن يحمل هاتفًا، ولا يستطيع الكلام، ولا يعرف الطرق. كان فتى صامتًا في عالم صاخب، تائهًا في حرب لا ترى الأطفال إلا أرقامًا.
بدأت رحلة البحث الطويلة. أبلغ الأب إدارة المخيم، ثم الصليب الأحمر، ثم إدارة الطب الشرعي في مجمع ناصر الطبي. طرق كل الأبواب الممكنة، وتواصل مع نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل أن تلتقط عدسة صورة، أو يسمع أحد بخبر، أو يظهر أثر.
لكن الردود كانت سلبية، والانتظار ثقيلًا. يومًا بعد يوم، ظل السؤال معلّقًا: أين محمود؟
غياب محمود ليس حادثة فردية، بل صورة مكثفة لواقع ذوي الإعاقة في غزة تحت وطأة الحرب. فحين تُقصف البيوت، وتُقطع الطرق، وتُغلق المعابر، تُسلب هذه الفئة أبسط حقوقها: الحق في الأمان، وفي الرعاية، وفي التتبع والحماية.
الطفل غير الناطق لا يستطيع الشرح، والطفل ذو الإعاقة الذهنية لا يعرف كيف يطلب المساعدة، وفي الفوضى يصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فالحرب لا تكتفي بتدمير الحجر، بل تُضيّع البشر واحدًا تلو الآخر.
كل خيمة في المخيم تحمل قصة خوف، لكن قصة محمود تحمل صمتًا أثقل: صمت أمّ لا تنام، وأب يكرر البلاغات، وإخوة ينتظرون عودة أخيهم الأكبر. صمت ميدالية معلّقة في الذاكرة، وكأس فوز لا يعرف طريقه إلى صاحبه
كان محمود يعرف كيف يركض نحو خط النهاية، لكن الحرب سرقت منه الطريق.
اليوم، لا يزال محمود مفقودًا. لا خبر يؤكد حياته، ولا أثر يدل على مكانه. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأخلاقي معلّقًا: كيف يُترك طفل من ذوي الإعاقة ليضيع في حرب؟ وكيف تُنتهك حقوقهم بلا مساءلة؟
إن ضياع محمود هو نتيجة مباشرة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، ونتاج لغياب منظومة حماية حقيقية لذوي الإعاقة في أوقات النزاعات. فقصة محمود ليست طلب شفقة، بل نداء حق؛ حق في الحماية، وحق في البحث الجاد، وحق في إعادة الاعتبار للأطفال الذين لا صوت لهم. فربما لا يتكلم محمود، لكن قصته تقول كل شيء.