حذرت الحكومة البريطانية من أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يضر بقدرة الأطفال الصغار على الكلام، ويسهم في صعوبات تتعلق بالتواصل والتركيز والانخراط في التعلم، وفقا لما ذكرته صحيفة الغارديان مؤخرا.
ويأتي هذا التحذير بعد أبحاث حكومية شملت 4758 طفلا، جرت متابعتهم منذ عمر 9 أشهر وحتى سنتين، وأظهرت أن الأطفال في عمر السنتين الذين يقضون نحو خمس ساعات يوميا أمام الشاشات قد يعانون من مشكلات سلوكية أو عاطفية، كما ينطقون كلمات أقل بكثير مقارنة بأقرانهم الذين يقضون حوالي 44 دقيقة فقط يوميا أمامها.
وفي هذا السياق، صرحت وزيرة التعليم البريطانية بريدجيت فيليبسون بأن أولياء الأمور والمعلمين حذروا من أن الإفراط في استخدام الشاشات يطغى على أنشطة أساسية مثل التحدث واللعب والقراءة، وهي أنشطة بالغة الأهمية لتنمية لغة الأطفال ونموهم في السنوات الأولى. وحضت فيليبسون على الاستخدام الرشيد للشاشات، من خلال توظيفها في مشاركة الأطفال القصص أو الألعاب التعليمية.
وأظهرت الدراسة أن أنشطة الأبوة والأمومة التفاعلية، مثل قراءة القصص، واللعب المشترك، والرسم والتلوين، ارتبطت ارتباطا وثيقا بتحسن مهارات اللغة المبكرة لدى الأطفال الصغار، في حين حصل الأطفال الذين يقضون وقتا أطول أمام الشاشات على درجات أقل في اختبارات المفردات.
كما أشارت صحيفة الغارديان إلى توصيات منظمة الصحة العالمية التي تنص على ألا يتجاوز استخدام الشاشات ساعة واحدة يوميا للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات.
الأطفال أكثر عرضة لتأثيرات الشاشات من البالغين
يوضح الدكتور سمير شاه، استشاري الطب النفسي والمدير الطبي في إحدى مستشفيات الصحة النفسية بمدينة برمنغهام، في حديثه لصحيفة الإندبندنت، أن أدمغة الأطفال "تشبه الإسفنج، تمتص التجارب بمعدل مذهل". وبالنظر إلى أن فترات النمو الرئيسية، ولا سيما قبل سن الخامسة وخلال سنوات ما قبل المراهقة، تشهد أسرع وتيرة لنمو الدماغ، فإن الإفراط في استخدام الشاشات خلال هذه المراحل قد يترك آثارا طويلة الأمد تفوق تلك التي تصيب البالغين.
ويتفق أستاذ علم الأعصاب الإدراكي توركيل كلينغبيرغ مع هذا الطرح، مضيفا أن تطور القدرات الإدراكية خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة يعد أمرا بالغ الأهمية، باعتبارهما فترتين تتميزان بقدر عال من المرونة العصبية، وهي عنصر أساسي للتعلم والأداء المعرفي في مرحلة البلوغ.
5 طرق يمكن أن تؤثر بها الشاشات على دماغ طفلك
يحذر الخبراء من أن الإفراط في استخدام الشاشات لدى الأطفال الصغار والمراهقين قد يؤدي إلى تأثيرات معرفية متعددة، من أبرزها:
- التأثير على الانتباه والتركيز
يقول البروفيسور كلينغبيرغ إنه في أغسطس/ آب 2025 نُشرت نتائج دراسة واسعة النطاق شملت أكثر من 8000 طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاما، جرى خلالها رصد الوقت الذي يقضونه في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو الألعاب الإلكترونية، أو مشاهدة التلفاز. وأظهرت النتائج أن الوقت الذي يقضيه الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي تحديدا يرتبط بزيادة أعراض قلة الانتباه.
وأشار المشاركون في الدراسة إلى معاناتهم من مشكلات مثل صعوبة التركيز لفترات طويلة، وسهولة تشتت الانتباه، وصعوبة إنجاز الواجبات المدرسية، وهي مؤشرات تثير القلق بشأن التأثيرات المعرفية طويلة المدى للاستخدام المفرط للشاشات.
- التأثير السلبي على المزاج والصحة النفسية
تشير أبحاث نُشرت عام 2023 إلى أن الأطفال والمراهقين الذين يقضون أكثر من 4 ساعات يوميًا أمام الشاشات يكونون أكثر عرضة لمستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب. ويوضح الدكتور سمير شاه أن التعرض المستمر للشاشات الرقمية قد يضع عقول الصغار في حالة من فرط التحفيز نتيجة ارتفاع مستويات الدوبامين، لكن دون تحقيق إشباع عاطفي حقيقي.
ويضيف شاه أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلًا أمام الشاشات قد يواجهون صعوبة في التعامل مع الإحباط والانفعال، ما ينعكس سلبًا على قدرتهم على فهم الإشارات الاجتماعية. كما يؤكد أن قلة التفاعل المباشر وجهًا لوجه تعني فرصًا أقل لممارسة مهارات اجتماعية أساسية، مثل التعاطف وحل الخلافات، وهي مهارات تتشكل بالأساس من خلال الاحتكاك الإنساني اليومي.
- الحرمان من النوم
يحذر أستاذ علم الأعصاب الإدراكي توركيل كلينغبيرغ من أن الاستخدام المفرط للشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي قد يطغى على الوقت المخصص لأنشطة ضرورية أخرى، مثل ممارسة الرياضة والتفاعلات الاجتماعية، والأهم من ذلك النوم. وتشير العديد من الدراسات إلى أن النوم عنصر أساسي للصحة النفسية والأداء المعرفي، خصوصًا لدى الأطفال في مراحل نمو الدماغ المبكرة.
ويوضح كلينغبيرغ أن نقص النوم قد يؤثر سلبًا على الذاكرة طويلة المدى، والانتباه، والذاكرة العاملة، ما ينعكس مباشرةً على قدرة الطفل على التعلم، وتنظيم المعلومات، وضبط السلوك اليومي.
- التأثير على مهارات حل المشكلات والذاكرة
يوضح كلينغبيرغ أن التشتت المستمر الناتج عن الاستخدام الطويل للإنترنت يحرم الأطفال من القدرة على التركيز لفترات كافية، كما يقلل من تعرضهم لتحديات معرفية ضرورية لتحفيز نموهم الذهني، خاصةً في مجالات الانتباه والذاكرة العاملة.
ويضيف أن الذاكرة العاملة ليست قدرة ثابتة، بل مهارة قابلة للتطوير من خلال التدريب، ما يجعل تقليل وقت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا مهمًا من الحل. ويوصي بتوجيه الأطفال نحو أنشطة تتطلب تركيزًا أعمق، مثل القراءة، أو أداء الواجبات المدرسية، أو الألعاب التعليمية غير الرقمية، لما لها من دور في دعم التطور المعرفي على المدى الطويل
- يسبب صعوبة في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية
يوضح الدكتور سمير شاه أن الاستخدام المنتظم للشاشات يحفز إفراز ناقل عصبي مسؤول عن الشعور بالسعادة يعرف باسم الدوبامين، ما يولد حلقة مفرغة من الرغبة في قضاء المزيد من الوقت أمام الشاشة، سعيا إلى تكرار الإحساس نفسه. ويشبّه شاه هذا السلوك بمن يتفقد الباب مرارا وتكرارا، "على أمل قدوم زائر مميز".
ومع مرور الوقت، يبدأ الأطفال والمراهقون في الشعور بأن الأنشطة الواقعية في العالم الحقيقي أقل إرضاء مقارنة بعالم الشاشات، وهو ما قد يؤدي إلى صعوبة في بناء علاقات اجتماعية ذات معنى أو الحفاظ عليها. ويؤكد شاه أن الاعتماد المتزايد على التفاعل الرقمي يقلل من فرص التواصل الإنساني المباشر الضروري لتطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية.
- 3 نصائح لتقليل استخدام الأطفال للشاشات
أظهر استطلاع أجراه مستشفى أطفال تابع لجامعة ميشيغان في عام 2025، أن "غالبية الآباء والأمهات (83%) يعتقدون أن الصحة النفسية للأطفال في الولايات المتحدة تتدهور"؛ وقال ثلاثة أرباع المشاركين إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الإلكترونية بشكل عام، "يمثل مشكلة رئيسية تواجه الأطفال والمراهقين". ووفقا لموقع شبكة "سي إن بي سي"، اتفقت كاثرين برايس، الصحفية المتخصصة في الصحة والعلوم، مع آراء الآباء والأمهات، قائلة "كل دقيقة يقضيها الأطفال أمام الشاشات، هي دقيقة يفتقدونها في تنمية مهاراتهم الحياتية، وبناء علاقاتهم، وخوض تجارب واقعية".
برايس التي تعاونت مؤخرا مع جوناثان هايدت، مؤلف كتاب "الجيل القلق"؛ لتأليف كتاب حول استخدام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في سن ما قبل المراهقة، بعنوان "الجيل المذهل: دليلك إلى المتعة والحرية في عالم مليء بالشاشات"؛ قدمت 3 مقترحات للآباء والأمهات، للحد من استخدام أطفالهم للشاشات، وهي:
- تقديم القدوة الحسنة ليتحلى بها أطفالك
تقول برايس، إن الخبراء يتفقون على أن تقديم القدوة الحسنة في الالتزام بالسلوك الذي ترغب أن يتحلى به أطفالك، هو "المفتاح الأساسي" في تشكيل شخصياتهم، ومساعدتهم في الحد من وقت استخدام الشاشات؛ حتى لو وصل الأمر أن "تطلب من أطفالك محاسبتك على استخدام هاتفك أو حاسوبك لفترات طويلة".
- تفضيل الهواتف العائلية المشتركة
فبدلا من إعطاء كل طفل هاتف خاص، تقترح برايس استخدام هاتف عائلي يستعمله الأطفال بعد المدرسة أو عند زيارة الأصدقاء، بحيث "يأخذونه، يستخدمونه، ثم يعيدونه". أو جعل الأولوية للهاتف المنزلي الأرضي؛ لمساعدة الأطفال على تنمية مهارات التواصل، وتشجيعهم للاطمئنان على أجدادهم، أو الدردشة مع أصدقائهم.
- ترك الأبناء يدفعون ثمن هواتفهم الذكية بأنفسهم
وفقا لتوصية جين توينج، أستاذة علم النفس في جامعة ولاية سان دييغو، "يُعدّ السعر أحد العوامل التي تدعو إلى تأجيل شراء الهواتف الذكية للأبناء، حتى بلوغهم سن 16 على الأقل".
فإذا كنت ترغب في تأجيل اقتناء أطفالك للهاتف الذكي لفترة أطول، فيمكنك إخبارهم بضرورة دفع ثمن هواتفهم الذكية بأنفسهم.
تقول توينج: "إذا أدركوا مسؤوليتهم المالية عن ذلك، فمن المرجح ألا يحصلوا عليها حتى بلوغهم الخامسة والعشرين، بالإضافة إلى أن ذلك قد يُساعد في تعليمهم دروسًا مهمة حول العمل الجاد لتحقيق الأهداف".