بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، لم تتوقف معاناة النازحين عند حدود فقدان منازلهم، بل امتدت إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية، إذ اصطدمت محاولات عودتهم إلى أحيائهم المدمّرة بعقبة جديدة تمثّلت في الركام المتراكم الذي أغلق الشوارع وحاصر الأحياء بالكامل، كما هو الحال في حيّ الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.
الحيّ الذي تعرّض لقصف مكثف خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، تحوّلت شوارعه إلى ممرات مغلقة بفعل أكوام الردم الناتجة عن تدمير مئات المنازل، ما جعل الوصول إلى البيوت المتضررة جزئيًا، أو حتى السليمة نسبيًا، أمرًا بالغ الصعوبة.
حرب بلا عودة
وفق تقديرات أممية، تسببت حرب الإبادة الإسرائيلية في تدمير أو تضرر أكثر من 70% من المباني السكنية في قطاع غزة، وألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية، بما في ذلك الطرق الرئيسية والفرعية.
ومع غياب الآليات الثقيلة ومنع الاحتلال إدخال المعدات اللازمة لرفع الأنقاض، بقي الركام في مكانه، ليغدو عائقًا مباشرًا أمام عودة الحياة.
محمود عويضة (30 عامًا)، أحد سكان حيّ الزيتون، كان يعيش في الطابق الأرضي من منزل عائلي مكوّن من أربعة طوابق، دُمّرت جميعها باستثناء شقته. يقول في حديث لصحيفة فلسطين: «شقّتي سليمة تقريبًا، والأضرار التي لحقت بها محدودة مقارنة بحجم الدمار الهائل في المنطقة، لكن عودتي للسكن فيها شبه مستحيلة».
ويوضح أن منزله يقع في منتصف شارع يتفرع غربًا من شارع صلاح الدين، وهو شارع مغلق بالكامل بفعل ركام البيوت المدمّرة، ولا مجال حتى للمشي داخله.
ويضيف: «كما أنه لا يمكن إدخال أي سيارة أو عربة تحمل متاعنا للعودة إلى المنزل»، لافتًا إلى أنه اضطر لإغلاق الشقة وتأمينها بانتظار الفرج وبدء إزالة الركام من الحي.
ويشير عويضة إلى أنه، بعد عودته من دير البلح عقب نزوحه الأخير، اضطر للعيش مع عائلته المكوّنة من سبعة أفراد في منزل أحد أقاربه، في ظروف صعبة، لكنه مجبر على ذلك.
أما باسم عزّام، فبيته يمكن استصلاح جزء منه والسكن فيه، لكنه فوجئ بعد عودته من نزوح طويل في جنوب القطاع بأن الوصول إليه بات شبه مستحيل.
يقول في حديثه لـ"فلسطين": «البيت لم يُدمّر بالكامل، لكن الشارع مغلق تمامًا بالردم، فلا سيارة تستطيع المرور، ولا يمكن إدخال مواد الترميم أو الأثاث».
ويذكر أن محاولاته لإزالة الركام يدويًا باءت بالفشل، فحجم الدمار يفوق طاقته، لا سيما في ظل الإرهاق الجسدي والنفسي الذي خلّفته الحرب.
ويؤكد عزّام أن الركام لا يعيق العودة إلى المنزل فحسب، بل يشكّل تهديدًا دائمًا لحياة عائلته المكوّنة من عشرة أفراد، معظمهم من الأطفال، إذ قد يتحركون بين الأنقاض، وأي حجر قد ينهار فجأة، في ظل غياب الإنارة والطرق الواضحة.
ويلفت إلى أن سيارات الإسعاف والدفاع المدني لا تستطيع الوصول إلى داخل الحي، ما يجعل أي طارئ صحي أو حادث محتملًا مأساة جديدة لا طاقة لهم على تحمّلها.
عجز البلديات
من جهتها، تؤكد بلدية غزة أن قدرتها على فتح الطرق محدودة للغاية بسبب نقص الوقود والمعدات، نتيجة القيود الإسرائيلية المستمرة.
ويوضح الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن كميات الركام الناتجة عن حرب الإبادة، سواء في حيّ الزيتون أو غيره من المناطق، تتجاوز 70 مليون طن، وهي كميات «مهولة تفوق قدرة بلديات القطاع على التعامل معها».
ويبيّن مهنا لـ"فلسطين" أن إزالة الركام تمثّل التحدي الأكبر أمام جهود الإعمار، في ظل استمرار الحصار وإغلاق المعابر، مشيرًا إلى أن بلدية غزة لا تمتلك اليوم سوى جرافة واحدة فقط، بعد أن دمّر الاحتلال 134 آلية ومركبة تابعة لها، أي ما نسبته 85% من إجمالي أسطولها التشغيلي.
ويؤكد مهنا أن استمرار القيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار سيجعل عملية إزالة الأنقاض تستغرق سنوات طويلة، ما يعيق جهود التعافي المبكر ويطيل معاناة السكان.
ومنذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 60% من إجمالي المباني في القطاع تضررت أو دُمّرت كليًا، فيما فقد مئات الآلاف من السكان منازلهم ومصادر رزقهم.
في حيّ الزيتون، تبدو العودة حلمًا مؤجلًا؛ فبين بيت قائم وطريق مغلق، يقف النازحون عالقين، بانتظار تدخل حقيقي يفتح الشوارع، كما يفتح أبواب الحياة من جديد.