بعد يومين من انتظار شروق الشمس لتجفيف فراشها من مياه المطر، لا تزال الخمسينية منال عسلية، النازحة في مدرسة إيواء غرب مدينة غزة، تدور في حلقة مفرغة بحثا عن حل نهائي لكارثة الحرمان من المأوى الآدمي.
ومع الإعلان القطري المصري التركي مساء أول من أمس، عن اكتمال تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة قطاع غزة برئاسة علي عبد الحميد شعث، باتت منال ترقب إذا ما كانت تلك اللجنة ستنتشلها من الكارثة، من خلال الإغاثة والإيواء.
ورغم مرور عامين على حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لا تزال تداعياتها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وسط تحديات متراكمة تتعلق بالإيواء، والخدمات الأساسية، وسبل العيش.
"نريد تغير الأمور للأحسن وليس للأسوأ..."، بهذه الكلمات تختصر منال في حديثها مع صحيفة "فلسطين" مطلبها من اللجنة، بعد مسلسل نزوح قسري، كانت ضحية له على امتداد حرب الإبادة.
منال النازحة من منطقة تل الزعتر شمال قطاع غزة، وباتت منطقة سكنها ضمن ما يسمى "الخط الأصفر"، تضيف: "نعيش هنا فيما كان قاعة دراسية متضررة من القصف. نعاني من القوارض ومن سيول المياه مع كل منخفض".
وتصف الوضع المعيشي للنازحين بأنه "مأساوي"، قائلة: "للسنة الثالثة مشتتون قسرا من مكان لآخر. نزحنا حوالي 17 مرة".
وتعيش منال في مركز الإيواء مع عائلتها وعائلة زوجها، في بيئة تغمرها مياه الصرف الصحي وانعدام النظافة، كما تقول.
تشير إلى أطفال عائلتها، مبينة أن كارثة الحرمان من المأوى ترتبط أيضا بحرمانهم من التعليم، ما يهدد بتجهيل جيل كامل في غزة.
الكرفانات والعودة لمناطق السكن
في الطرف الآخر من المشهد، يبدأ آخرون حياتهم من نقطة الصفر، لا داخل مراكز الإيواء، بل في الشارع.
قبل أسابيع فقط، تزوّج أحمد عباس (35 عاما) لكنه لم يبحث عن بيت، بل عن مساحة ينصب فيها خيمة غرب مدينة غزة.
ممسكا "طرية" لتسوية مساحة ضيقة في مكان مكتظ بخيام النازحين، يقول عباس بأسى لصحيفة "فلسطين": أمهد لمكان أقيم فيه خيمة.
ويضيف: كنت نازحا في مبنى مركز رشاد الشوا الثقافي شبه المدمر، لكن سقفه لم يقينا من المطر، ولا الشمس أيضا، موضحا أنه لجأ لخيار الخيمة، رغم فشلها، للتخلص من خطر أي انهيار مفاجئ.
ويعيش عباس الذي ينحدر من الأراضي المحتلة سنة 1948، في غزة منذ 2013، بينما تعيش عائلته لاجئة في سوريا.
ونزح عباس قسرا خلال حرب الإبادة نحو 13 مرة، ولا يزال يعاني من التشرد، ويكتنف حاضره الغموض إزاء الإيواء.
وبين سيدة تنتظر نهاية الإيواء المؤقت منذ عامين، وشاب يبدأ حياته الزوجية بخيمة في الشارع، تتقاطع المطالب الشعبية بشكل رئيس حول الإغاثة والإيواء وفتح المعابر وإعادة الإعمار.
تقول منال: غزة كلها لنا، نحن الفلسطينيين، وهي جزء من وطننا فلسطين، لكن نريد أن نعود إلى مناطق سكننا، وأن تعمل اللجنة على إعادة إعمارها.
وتطالب بالضغط على الاحتلال للانسحاب من قطاع غزة، وفتح المعابر لعودة المواطنين، ولم شملهم مع ذويهم.
من جهته، يطالب عباس بضمان تدفق المساعدات الإنسانية للمواطنين في غزة، وألا تقتصر على الغذاء، بل تشمل المال أيضا، في ظل الخسارة المالية والمادية الفادحة التي تعرضوا لها خلال الحرب.
يخاطب الشاب، لجنة إدارة غزة، بقوله: قفوا مع المواطنين، وفروا لهم الكرفانات. الخيام تطير وتعرض النازحين للخطر.
كما يطالب اللجنة بالعمل على تهيئة ظروف عودة النازحين إلى مناطق سكنهم، وإزالة المعيقات التي تحول دون ذلك.
وبحسب بيان للمكتب الإعلامي الحكومي أمس، أدّت سياسات الاحتلال التعسفية، بالتزامن مع المنخفضات الجوية التي ضربت قطاع غزة مع بداية دخول فصل الشتاء، إلى انهيار أكثر من 50 منزلاً ومبنىً كانت متضررة ومقصوفة سابقا.
أسفر ذلك عن استشهاد وإصابة عشرات المواطنين نتيجة المنخفضات وانهيار البنايات السكنية فوق رؤوسهم حيث لجؤوا إليها بعد فقدانهم لمساكنهم الأصلية بسبب قصفها، في ظل غياب أي بدائل آمنة، وفق البيان ذاته.
وسُجّلت في غزة وفيات نتيجة البرد الشديد داخل خيام النازحين، في وقت خرجت فيه أكثر من 127,000 خيمة عن الخدمة، ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح.
عند المساء، تعود السيدة إلى غرفتها المكتظة، بينما يثبت الشاب أوتاد خيمته قبل حلول الليل. مشهدان مختلفان، ومطلب واحد لم يعد يحتمل التأجيل.