قائمة الموقع

لجنة التكنوقراط في غزة: مهام إنسانية وتحديات سياسية وأمنية

2026-01-16T07:32:00+02:00
الدمار الذي خلفه قصف الاحتلال في منازل المواطنين بغزة (أرشيفية)
فلسطين أون لاين

يمرّ قطاع غزة بمرحلة دقيقة تتسم بتعقيدات سياسية واقتصادية وإنسانية متراكمة، ما يفرض البحث عن نموذج إداري قادر على التعامل مع هذه التحديات بكفاءة ومسؤولية. وفي هذا السياق، برز خيار تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة شؤون القطاع كحل مرحلي، يهدف إلى ضمان استمرارية العمل المؤسسي وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

وتُفهم لجنة التكنوقراط على أنها هيئة إدارية مهنية تعتمد في تشكيلها على الخبرة والكفاءة التخصصية، لا على الانتماءات الحزبية أو الاعتبارات الفصائلية، على أن تعمل ضمن إطار واضح الصلاحيات والمسؤوليات، بما يضمن قدرتها على اتخاذ القرارات اللازمة لإدارة القطاعات الحيوية، كالصحة والتعليم والخدمات البلدية والاقتصاد المحلي.

وتكمن أهمية هذه اللجنة في قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة، من خلال إعادة تنظيم المؤسسات، وضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية، والتعامل مع الأزمات الطارئة، خصوصًا في ظل الواقع الإنساني الصعب الذي يعيشه القطاع. كما يقع على عاتقها تنسيق الجهود مع الجهات المحلية والدولية ذات الصلة، بما يسهم في تسهيل وصول المساعدات وتنفيذ برامج الإغاثة وإعادة الإعمار.

وأكدت الكاتبة والمحللة السياسية رهام عودة أن دور لجنة التكنوقراط إداري بحت وليس سياسيًا، مشددة على ضرورة أن يتركز عملها على معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، بعيدًا عن أي تجاذبات سياسية.

وقالت عودة لـ "فلسطين أون لاين" إن على أعضاء اللجنة إعطاء أولوية قصوى لفتح معبر رفح البري، بما يسهم في تسهيل سفر المرضى والطلبة والحالات الإنسانية، وضمان عودة العالقين خارج القطاع، إلى جانب العمل الفوري على تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية بكافة أشكالها.

وأوضحت عودة أن هناك حاجة عاجلة لإيجاد حلول سكنية آمنة للنازحين، من خلال إدخال كرفانات للسكن المؤقت، لحمايتهم من برد الشتاء القارس، إلى حين انطلاق عملية إعادة الإعمار الشاملة.

وبيّنت أن مهام اللجنة يجب أن تشمل أيضًا الإشراف على إعادة تأهيل البنية التحتية في القطاع، ولا سيما إصلاح شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، إضافة إلى وضع خطة تعليمية واضحة تضمن عودة الطلبة إلى مدارسهم، ولو عبر صفوف مؤقتة من الكرفانات.

وشددت على أهمية الإشراف العاجل على القطاع الصحي، والعمل على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بأسرع وقت ممكن، معتبرة أن أولويات اللجنة يجب أن تبقى إغاثية وإنسانية بالدرجة الأولى، مع ترك الملف السياسي للسلطة الفلسطينية والوسطاء العرب.

وحول التحديات المحتملة، أوضحت عودة أن أحد أبرز العقبات يتمثل في ملف إدماج موظفي غزة ضمن الهيكل الإداري والموارد البشرية التي ستشرف عليها اللجنة، لا سيما في القطاعات التعليمية والصحية والاجتماعية، مشيرة إلى غموض آلية التعاون بين اللجنة وموظفي غزة، أو ما إذا كانت ستعتمد فقط على موظفي السلطة الفلسطينية المستنكفين سابقًا.

وأضافت أن هذا الغموض قد يفتح الباب أمام خلافات حول إدارة ملف الموظفين، خاصة أن حركة حماس قد لا تقبل بعمل اللجنة دون إدماج موظفيها ضمن الكوادر البشرية العاملة في القطاعات الإنسانية، ما يطرح إشكالية تمويل رواتب هؤلاء الموظفين، ومدى استعداد الجهات الدولية أو ما يُعرف بـ«مجلس السلام» لتغطية تلك الرواتب، في ظل إعلان السلطة امتلاكها موظفين رسميين قادرين على العودة للعمل في أي وقت.

وأشارت عودة إلى أن التحدي الأكثر تعقيدًا يتمثل في الملف الأمني، مؤكدة أن تخلي حركة حماس عن عناصرها الأمنية والشرطية في القطاع يُعد أمرًا شبه مستحيل، في ظل غياب تصور واضح لدور مسؤول الملف الأمني ضمن لجنة التكنوقراط.

وتساءلت عودة عما إذا كان هذا المسؤول سيتجه إلى التنسيق مع حركة حماس وقبول الإشراف على القوة الشرطية التابعة لها، أم سيدعو إلى تشكيل قوة أمنية جديدة، محذّرة من أن الخيار الأخير قد يؤدي إلى تصعيد الخلافات الداخلية وخلق حالة من الصراع، في ظل خشية حماس من الفوضى وسيطرة الميليشيات.

ورجّحت عودة أن تكون فرص نجاح لجنة التكنوقراط متوسطة، مع إمكانية تحقيق نجاح أكبر في الجوانب الإغاثية وتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية، مقابل صعوبات حقيقية في إدارة ملفي الموظفين والأمن.

الجوانب الإنسانية

بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن إعلان المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يشكل خطوة حاسمة في هذا التوقيت، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تركيز اللجنة على الجوانب الإنسانية والتنموية، وضمان انتقال سلس في ظل استمرار سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من قطاع غزة.

وقال شاهين لـ"فلسطين أون لاين" إن تركيبة اللجنة حظيت بموافقة الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، إلى جانب دعم السلطة الفلسطينية لها، ما يضاعف حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقها، خاصة في الجوانب الخدمية، وإغاثة النازحين، ودعم سكان القطاع في ظل الدمار الواسع الذي طال نسبة كبيرة من المنشآت، إلى جانب النقص الحاد في الغذاء، وتفاقم أزمات الصحة والتعليم.

وأضاف أن هناك ضغوطًا إقليمية ودولية محتملة قد تُفرض على عمل اللجنة، في وقت تُعلّق فيه آمال كبيرة من الشعب الفلسطيني عليها، لا سيما أن أعضاءها من أصحاب الكفاءات المهنية، ويتمتعون بسجل وطني يعزز الثقة بدورهم.

وأوضح شاهين أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في تمكين اللجنة من مواجهة مخططات الاحتلال، وتعزيز صلابة الجبهة الداخلية الفلسطينية، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، معتبرًا أن تشكيلها يعكس مرونة سياسية تخدم الصمود الوطني، وتفتح فرصة تاريخية لإعادة إعمار قطاع غزة، شريطة التزام المجتمع الدولي برفع الحصار ومحاسبة الاحتلال.

وأشار إلى أن نجاح اللجنة يبقى مرهونًا بالتحديات التي يفرضها واقع الاحتلال، خاصة في ظل سيطرة اليمين المتطرف، وفرض القيود، وعدم الانسحاب الكامل من القطاع، مؤكدًا أن تنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار يتطلب ضغطًا جادًا من الوسطاء على الاحتلال.

ولفت إلى أن الموارد المالية المطروحة لدعم عمل اللجنة تحتاج إلى مرونة أكبر وتدخل فعّال من المجتمع الدولي، لضمان تمكينها من تحقيق أهدافها الإنسانية والتنموية.

 

اخبار ذات صلة