بين أزقة غزة التي أنهكها الحصار، وفي غرف العمليات التي لم تهدأ وتيرتها على مدار ثلاثة أيام، لم تكن الوجوه المتعبة تخفي سوى الفرح. هنا، في اليوم الثالث والختامي لحملة "يد العون"، لم تعد الأرقام مجرد خانات حسابية، بل تحولت إلى شريان حياة يمتد نحو شمال القطاع، الذي عانى طويلًا سياسات "التهميش" الممنهجة.
عاشت صحيفة "فلسطين" هذه اللحظات بكل تفاصيلها، ورصدت ملامح التكاتف، واستشعرت نبض الشارع وهو يلتف حول قضيته الأسمى، فقد تماهت الإرادة الشعبية مع الحاجة الملحّة لإعادة الحياة إلى المناطق المنكوبة.
وفي مشهد جسّد تلاحم المؤسسات والفعاليات الشبابية، أعلنت الحملة مساهمات فارقة؛ إذ تبرعت مؤسسة "نبضة ثقة" بمبلغ 60 ألف دولار، في حين قدمت مجموعة "شباب لأجل غزة" تبرعًا قدره 450 ألف دولار، ولم يغب الشباب المغترب عن المشهد، إذ تبرع شباب غزة في الشتات بإنشاء أربعة مصليات في مناطق الشمال، بتكلفة بلغت 80 ألف دولار.
وأوضح عضو الحملة والناشط الشبابي يوسف الصيفي لـ"فلسطين"، أن هذه المبادرة جاءت بجهد شبابي خالص من قلب غزة، وتهدف بالأساس إلى "إعادة الحياة" للمناطق التي يحاول الاحتلال إفراغها من سكانها.
وقال الصيفي: "هدفنا تمكين المواطنين من الوصول إلى مناطقهم عبر مشاريع عملية، تشمل فتح الشوارع المغلقة، وإزالة الركام، وتدشين نقاط طبية وتعليمية طارئة، إضافة إلى إعادة تأهيل وحفر آبار المياه، بما يضمن صمود الناس في أرضهم."
وتابع موضحًا آليات العمل: "لم ننتظر انتهاء الحملة لنبدأ، بل باشرت طواقمنا الهندسية والمتطوعون منذ اللحظات الأولى في وضع المخططات الميدانية. الأولوية حاليًا لمشاريع الاستجابة السريعة، إذ وُجّهت الفرق الميدانية لفتح الشرايين الحيوية في مخيم جباليا وبيت لاهيا، لضمان وصول صهاريج المياه وسيارات الإسعاف إلى المناطق التي كانت معزولة تمامًا."
وأشار الصيفي إلى أن "يد العون" ليست مجرد إغاثة عابرة، بل تمثل "هندسة للصمود"، فهي ستُخصص مبالغ لدعم المخابز اليدوية والمطابخ المجتمعية المعتمدة على البدائل المحلية، لكسر حدة الحصار الذي يستخدمه الاحتلال أداة ضغط على سكان الشمال.
وأكد أن الحملة حققت نجاحات فاقت التوقعات، رغم المعيقات الميدانية ومحاولات "الذباب الإلكتروني" تشويه أهداف المبادرة والتشكيك بها منذ انطلاقتها.
من جانبه، قال الناطق الإعلامي للحملة منير البرش، لـ "فلسطين"، بنبرة واثقة: "لم تكن هذه الحملة خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة قصوى فرضها واقع مرير، فشمال غزة يرزح تحت حصار مزدوج وتهميش متعمد من قبل مؤسسات دولية أدارت ظهرها لاحتياجات الناس هناك."
وأضاف: "شعرنا أن مناطق الشمال تُترك لمصيرها، فجاءت 'يد العون' لتكون الاستجابة الشعبية التي تسد الفراغ الذي خلّفه المجتمع الدولي."
وفي رده على حملات التشكيك، شدد البرش على مبدأ الشفافية الذي تنتهجه الحملة، قائلًا: "ندرك حجم الأمانة، ولذلك أعددنا نظامًا رقابيًا صارمًا، تشرف عليه نخبة من الوجهاء والشخصيات الاعتبارية في الشمال، لضمان وصول كل دولار إلى مستحقيه في الميدان. إن نجاحنا في جمع هذا المبلغ خلال وقت قياسي هو أكبر رد عملي على محاولات بث اليأس، فقد أثبتت الحاضنة الشعبية أنها أقوى من ماكينات التحريض الممنهجة."
واختتم البرش حديثه بتوجيه رسالة للمانحين، قائلًا: "كل من وضع دولارًا في هذه الحملة، وضع لبنة في جدار الصمود الأسطوري لشمال غزة. نحن لا نوزع طرودًا غذائية فحسب، بل نعيد ترميم الكرامة الإنسانية التي حاول الحصار هدمها، ونؤكد للعالم أن غزة تمتلك زمام أمرها، وأن إرادة الضحية قادرة على التغلب على جبروت الجلاد."
ومع طيّ الساعات الأخيرة للحملة، بدا المشهد الختامي مهيبًا؛ فجمع 3 ملايين دولار خلال ثلاثة أيام شكّل رسالة سياسية وإنسانية بليغة: "إن الحصار، وإن أغلق المعابر، لن يتمكن من إغلاق قلوب الفلسطينيين أمام بعضهم البعض."
انتهت الأيام الثلاثة رسميًا، لكن أثر "يد العون" بدأ لتوه، إذ من المقرر أن تتحول هذه التبرعات قريبًا إلى رغيف خبز، وبئر ماء، وطريق مفتوح، يعيد بناء ما دمره العدوان والتهميش.