على صوتٍ أشبه بصراخٍ مفاجئ من طفلتها: «ماما سقعانة!» استيقظت والدة الطفلة همسة حوسو (11 عامًا) من نومها عند الساعة السادسة صباح الخميس الماضي، ممسكةً بغطاء تحاول به تدفئة جسد ابنتها. لم تمضِ ثوانٍ حتى فوجئت بالدماء تنزف من أذنيها وأنفها وفمها.
حاولت همسة مجددًا الاستنجاد بأمها بعدما استشعرت ألم الإصابة، قائلةً: «يمّا الحقيني»، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، في إثر اختراق رصاصة إسرائيلية «الشادر» الذي وضعته العائلة بديلًا عن الجدران المفتوحة لمنزلهم «المفرّغ» بفعل القصف، لتخترق كتف الطفلة وتصل إلى صدرها، محدثة نزيفًا قاتلًا.
تقلبت الطفلة بين ذراعي والدتها التي وقفت عاجزة عن فعل أي شيء، ولا حتى استيعاب ما جرى لطفلتها التي كانت نائمة إلى جوارها. صرخت الأم مستنجدةً بالعائلة، التي هرعت إلى المكان، ونُقلت همسة إلى المستشفى جثةً هامدة، أو في أنفاسها الأخيرة التي فارقتها عند وصولها إلى مجمع الشفاء الطبي بعد نحو عشرين دقيقة من الحادثة، غارقةً في دمائها.
نامت همسة، التي تقطن منطقة الفالوجا غرب معسكر جباليا شمال قطاع غزة، على حلمٍ جديد؛ أن تستيقظ مبكرًا وتتوجه إلى النقطة التعليمية القريبة من منزلها، مع عودة الحياة تدريجيًا عقب وقف إطلاق النار، وأن تلعب مع صديقاتها من بنات الجيران اللواتي فرّقتهن الحرب وموجات النزوح والتشرّد. غير أن الرصاصة اغتالت الحلم قبل أن تستيقظ الطفلة.
حياة قاسية
في مشرحة الجثامين، أسند خميس حوسو، عم الطفلة، ظهره إلى الحائط، يراقب بصدمة جسد همسة الممدد على السرير، فيما تلطخت بقع الدماء بالمكان. وكأنّه يستحضر صورتها قبل يوم واحد فقط، وهي تمسك بصنبور شاحنة المياه وتملأ خزانات الأهالي. بعد يوم واحد، وُوريت الثرى، في مشهد يعكس قسوة الحياة قرب «الخط الأصفر»، حيث لم تتوقف الحرب بفعل خروقات متواصلة لجيش الاحتلال، أدت إلى استشهاد أكثر من 484 مواطنًا.
تروي والدة همسة ما جرى لصحيفة فلسطين، وكأنها لا تزال تعيش كابوسًا لا تصدّق أنه حقيقة: «عندما نادت عليّ، صُدمت بمشهد الدماء وهي تنزف منها، فصرخت على أعمامها. حضروا سريعًا ونقلناها إلى نقطة طبية، إلى أن وصلت سيارة الإسعاف بعد نحو عشرين دقيقة».
وتضيف بحسرة على أحلام طفلتها التي لم تكتمل: «عدنا إلى المنزل واستصلحنا جزءًا منه، وأغلقنا الجدران المفتوحة بشوادر من جميع الاتجاهات، لكننا كنا نخاف دائمًا من الرصاص المتطاير لقربنا من جيش الاحتلال. كانت سعيدة بالعودة إلى منطقتها، فسجّلت في المدرسة، وتابعت واجباتها، ولعبت مع صديقاتها، وساعدتنا في شؤون المنزل».
تستحضر الأم صورة الفرح التي كانت تملأ طفلتها، قائلةً: «كانت تذهب إلى المدرسة ثم تعود لتنجز واجباتها. كانت سعيدة جدًا، لكنها كانت تطلب طعامًا أفضل وملابس جديدة، ولم نكن نستطيع توفير كل ما تطلبه، وهذا أكثر ما يؤلمني».
فقدان الأب
فقدت همسة والدها منذ بداية الحرب؛ فالطفلة التي شهدت اقتياد جنود الاحتلال لوالدها نضال حوسو (44 عامًا) واستخدامه درعًا بشريًا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2023، بقيت مع والدتها وشقيقيها تنتظر أي خبر عنه.
تقول الأم: «ظلت همسة متعلقة بوالدها، وحتى آخر أيامها كانت تسأل عنه، وقالت لي: “خايفة أموت وما أشوفش بابا”، وكانت مشتاقة إليه كثيرًا».
وتستذكر لحظات الاعتقال قائلةً: «حاصروا المنطقة واعتقلوا زوجي، واستخدموه درعًا بشريًا، ثم اقتادوه إلى المدرسة. منذ تلك اللحظة لم نره، ولم نحصل على أي معلومة عنه. بحثنا في سجلات الأسرى ومن خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن دون جدوى. نأمل أن يكون حيًا ويعود إلينا… يكفيني أنني فقدت همسة».
ورغم استشهاد الطفلة داخل منزلها، واعتقال والدها من البيت نفسه، لا تزال الأم متمسكة بالعيش فيه مع طفليها ميس (14 عامًا) وسمير (13 عامًا)، في ظل انعدام البدائل. تقول: «لا توجد أماكن أخرى، نحن مضطرون للعيش وسط هذه المخاطر والمآسي».
تصف الأم ابنتها الشهيدة بأنها «مليئة بالحياة»، وكانت تحلم برؤية والدها وأن تصبح معلمة لغة إنجليزية. ورغم تراجع مستواها الدراسي بسبب الحرب وانقطاع التعليم لعامين، بقيت متمسكة بحلمها، تحاول العودة إلى الدراسة، لكن الرصاصة كانت أسرع من كل الأحلام.
وقبل ساعات من استشهاد همسة، عاش الجيران لحظات عصيبة مع إطلاق آليات الاحتلال رصاصًا كثيفًا تجاه منازل المواطنين في عمليات «تمشيط عشوائي». يقول عمها خميس حوسو لصحيفة فلسطين: «يتمركز جيش الاحتلال على جبل الكاشف قرب “الإدارة المدنية”. ورغم وجود بيوت مدمّرة أمام منزل همسة، ورغم أن المسافة بيننا وبين الجيش تقارب كيلومترًا واحدًا، وصل الرصاص إلينا واستشهدت الطفلة. سبق ذلك إطلاق ثلاث قذائف مدفعية، ثم بدأ التمشيط. كانت همسة نائمة… ولم تستيقظ».