لم تكن المنخفضات الجوية التي ضربت قطاع غزة أخيرًا مجرد حالة طقس عابرة، بل تحولت إلى كابوس يومي يلاحق آلاف العائلات النازحة التي تقطن خيامًا مهترئة، لا تقي برد الشتاء ولا تحمي من الأمطار الغزيرة، مع دمار واسع طال المنازل والبنية التحتية، وغياب أي حلول إنسانية عاجلة.
يقول أحمد جندية (26 عامًا)، وهو نازح يقيم في خيمة قرب مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة، إن خيمته غرقت بالكامل بمياه الأمطار، بعد أن مزّقت الرياح قطع النايلون المقوّى التي وضعها فوقها في محاولة لحمايتها.
ويضيف جندية، لصحيفة "فلسطين": "قضى أطفالي الأربعة الليل كله تحت المطر والبرد القارس، وتسربت المياه إلى الفرشات والملابس، وبقوا يبكون طوال الليل بحثًا عن أي دفء."
ولم تقتصر المعاناة على الأطفال فقط، بل امتدت إلى والديه المسنين، اللذين يبلغان نحو 60 عامًا، حيث عانيا بشدة من البرد وتسرب المياه إلى خيمتهما، في ظل أوضاع صحية صعبة وانعدام أي وسائل تدفئة.
ويؤكد جندية أن منزل عائلته في حي الصبرة دُمّر كليًا خلال الحرب، ولم يتبقَّ أمامهم سوى الانتظار في الخيام إلى حين إعادة الإعمار، مطالبًا بإدخال البيوت المتنقلة (الكرفانات) كحل مؤقت يحمي العائلات من المنخفضات الجوية القادمة.
ليالٍ بلا نوم
أما عفاف أبو ناجي، وهي نازحة في الأربعين من عمرها، فتصف أيام المنخفض الجوي بأنها "كارثية بكل المقاييس".
وتقول لـ"فلسطين": "تسربت المياه إلى خيمتنا، وغرقنا أنا وأفراد أسرتي السبعة، وبقينا طوال الليل نحاول إبعاد المياه عن محيط الخيمة القريبة من مجمع الشفاء، لكن دون جدوى."
وتضيف واصفة حجم المعاناة: "إذا كان السمك ينام في البحر، فنحن نمنا في الماء داخل الخيام."
وتبدو ملامح الإرهاق واضحة على وجهها، وهي تؤكد أن الأطفال لم يذوقوا طعم النوم، وأُصيب بعضهم بنزلات برد وأمراض نتيجة البلل المستمر وشدة الرياح التي اقتلعت أجزاء من الخيمة والشوادر المحيطة بها.
وتشير أبو ناجي إلى أن محاولات زوجها وأبنائها إقامة سواتر من الرمل والحجارة باءت بالفشل، بسبب قوة الرياح وغزارة الأمطار. ومع بزوغ الشمس، بدأت الأم وأطفالها بنشر ما تبقى من الفرشات والملابس في محاولة يائسة لتجفيفها.
وتؤكد أن منزلهم دُمّر خلال الحرب، ولم يبقَ لهم سوى خيمة متهالكة، قائلة: "لا نطلب الكثير، نريد فقط مأوى مؤقتًا يحمي أطفالنا من البرد والمطر إلى حين إعادة إعمار منزلنا."
أمراض ومخاطر إضافية
من جانبه، يقول أيمن قنيطة (53 عامًا)، وهو نازح يقيم مع أسرته المكوّنة من ثمانية أفراد قرب منزله المدمّر في شارع أبو حصيرة غرب غزة، إن الرياح العاتية المصاحبة للمنخفض تسببت في تطاير النايلون والبلاستيك المقوّى الذي كان يحمي خيمته.
ولا تتوقف معاناة قنيطة عند الأمطار فقط، بل تمتد إلى انتشار الجرذان والقوارض التي باتت تدخل الخيمة وتقضم الطعام والفرشات، ما يثير مخاوف حقيقية من تفشي أمراض خطيرة بين الأطفال.
ويطالب قنيطة، في حديثه لمراسل صحيفة "فلسطين"، المؤسسات الدولية بالتحرك العاجل لإدخال احتياجات قطاع غزة، وعلى رأسها البيوت المتنقلة، لحماية الأسر من البرد والأمراض، متسائلًا بمرارة: "أين العالم من معاناتنا؟ وهل يقف متفرجًا على ما نواجهه؟"
منخفض يحصد الأرواح
وكشف راصدون جويون أن هبات هوائية قوية ضربت قطاع غزة، وبلغت سرعتها 102 كيلومترًا في الساعة، وهي الأعلى المسجّلة خلال هذا المنخفض.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، في تصريحات صحفية، إن سبعة مواطنين استشهدوا جراء تداعيات المنخفض الجوي، في ظل خيام مهترئة ومبانٍ آيلة للسقوط.
ومن جهته، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي أن نحو 7 آلاف خيمة انجرفت أو تطايرت خلال يومين فقط، محذرًا من ارتفاع أعداد الضحايا، خاصة بين الأطفال والمرضى وكبار السن، في حال استمرار هذا الواقع الإنساني الكارثي.
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذه الكارثة، مطالبًا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالتحرك الفوري، وإدخال الكرفانات ومستلزمات التدفئة دون قيود، وإنقاذ ما تبقى من الأرواح قبل فوات الأوان.