تخرج حنين الزعانين، ذات الشعر المموج، من خيمتها ببطء، تحمل في يديها قدرًا فارغةً، وتسير فوق طينٍ باردٍ يلسع قدميها. ترفع طرف ثوبها قليلًا كي لا يبتل، وتتوقف قبل كل خطوة، كأنها تختبر الأرض بعينيها أولًا. لا شبشب يحميها، ولا حذاء يرافقها هذا الصباح؛ فقط قدمان صغيرتان تحاولان العبور بين الوحل ومياه الصرف المنتشرة حول المخيم، في شتاءٍ لا يرحم الطفولة.
وعلى مقربةٍ منها، تجلس حلا المصري (9 أعوام) قرب خيمتها، ترفع طرف شبشبها الممزق من الخلف بيدها، وتحاول تثبيته في أثناء المشي. تضطر إلى رفع قدمها كي يتناسب مع ارتفاع الشبشب، وتتجنب الوحل والطين ومياه المجاري التي تحيط بالخيام. لكن الألم يتكرر مع كل خطوة، فيضغط على قدمها الصغيرة أكثر مما يحتمل جسدها، فتخلع الشبشب أخيرًا، وتفضّل المشي حافية، رغم قسوة الأرض وبرودتها، هربًا من وجعٍ صار أثقل من البرد نفسه.
وعلى بُعد أمتار، تخرج طفلة أخرى حافية القدمين من خيمتها، متجهةً نحو إحدى التكايا لجلب حساء العدس لعائلتها المكوّنة من سبعة أفراد. لا تمتلك “شبشبًا” أصلًا، ولديها حذاء واحد فقط، بات مهترئًا ومليئًا بالرقع، بعد محاولات متكررة من والدها لرتق الأجزاء المقطوعة منه، وإبقائه صالحًا للاستخدام أطول فترة ممكنة.
تُخفي الطفلة حذاءها بعناية، ولا ترتديه إلا في حالات نادرة، خشية أن يتمزق تمامًا بفعل المياه والطين. لذلك، تضطر في معظم الأيام إلى الخروج حافية، تسير بحذر فوق الأرض الموحلة، فيما لا يقوى والدها على شراء أحذية لجميع أطفاله، إذ يبلغ سعر “الشبشب” الواحد نحو 20 شيقلًا، وهو مبلغ يفوق قدرته في ظل شحّ الدخل وغياب أي مصدر ثابت للرزق.
في مخيمات النزوح المنتشرة في أرجاء القطاع، لم يعد هذا المشهد استثناءً. فقد تحولت الطرقات الترابية إلى مساحات موحلة، تختلط فيها مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، بينما يواجه آلاف الأطفال الشتاء بأقدام عارية أو بأحذية ممزقة لا تصمد أمام البلل والبرد، وسط ظروف معيشية قاسية، وانعدامٍ شبه كامل للاحتياجات الأساسية.
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الأطفال يشكّلون الفئة الأكثر تضررًا من نقص المواد غير الغذائية في قطاع غزة، بما فيها الملابس والأحذية، في وقت تُمنح فيه الأولوية القصوى لتأمين الغذاء والمياه، على حساب احتياجات أساسية أخرى لا تقل أهمية لصحة الأطفال وسلامتهم.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، يعيش مئات الآلاف من الأطفال النازحين في بيئات غير مهيأة، تفتقر إلى أرضيات مناسبة وشبكات تصريف فعّالة، ما يجعلهم عرضة مباشرة لمخاطر البرد والرطوبة والأمراض، خاصة خلال فصل الشتاء.
في أماكن النزوح، لا ساحات لعب ولا أرضيات معبّدة. الأطفال الذين اعتادوا الجري في ساحات المدارس أو الأزقة الجافة، يجدون أنفسهم اليوم أسرى الوحل والمياه الباردة. بعضهم يفضّل البقاء داخل الخيام لساعات طويلة هربًا من البلل، فيما يُجبر آخرون على الخروج يوميًا لجلب المياه أو الطعام، أو لمرافقة ذويهم في مسارات قصيرة تحولت إلى اختبارات قاسية لأجسادهم الصغيرة.
في غزة، لم تعد معاناة الأطفال مرتبطة بالقصف أو الجوع وحدهما، بل بتفاصيل يومية قاسية؛ كالحذاء الممزق، والقدم العارية، والطين الذي يرافق خطواتهم القصيرة داخل المخيمات.
إن مشهد الأقدام الصغيرة وهي تغوص في الوحل لا يعبّر فقط عن قسوة الشتاء، بل عن طفولة تُستنزف بصمت، وسط أزمة إنسانية متفاقمة، واحتياجات أساسية لا تجد من يستجيب لها.